تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿والصابرين﴾ منصوب على المدح أي بتقدير أعني وهو في الحقيقة والمعنى عطف على من آمن لكن غير سبكه تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته أي وأعني الذين صبروا ﴿فى البأسآء﴾ أي : في الفقر والشدة ﴿والضرآء﴾ أي : المرض والزمانة ﴿وحين البأس﴾ منصوب بالصابرين أي : وقت الشدة والبأس شدة القتال خاصة وهو في الأصل مطلق الشدة وزيادة الحين للإشعار بوقوعه أحيانا وسرعة انقضائه وأهل الكتاب أخلوا بذلك حيث كانوا في غاية الخوف والجبن والحاصل أنه لما حولت القبلة وكثر خوض أهل الكتاب في نسخها صار كأنهم قالوا مدار البر والطاعة هو الاستقبال فأنزل الله هذه الآية كأنه تعالى قال : ما هذا الخوض الشديد في أمر القبلة مع الإعراض عن كل أركان الدين فصفة البر لا تحصل بمجرد استقبال المشرق والمغرب بل البر لا يحصل إلا بمجموع الأمور المذكورة ﴿أوالائك﴾ أي : أهل هذه الصفة ﴿الذين صدقوا﴾ في الدين واتباع الحق وتحري البر حيث لم تغيرهم الأحوال ولم تزلزلهم الأحوال ﴿وأولئك هم المتقون﴾ عن الكفر وسائر الرذائل وتكرير الإشارة لزيادة تنويه شأنهم وتوسيط الضمير للإشارة إلى انحصار التقوى فيهم والآية جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها دالة عليها صريحا أو ضمنا فإنها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس وقد أشير إلى الأول بقوله : من آمن إلي والنبيين وإلى الثاني بقوله وآتى المال إلي وفي الرقاب وإلى الثالث بقوله وأقام الصلوة إلى آخرها ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظرا إلى إيمانه واعتقاده وبالتقوى اعتبارا بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق وإليه يشير قوله عليه السلام "من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان" قال شيخنا العلامة أبقاه الله بالسلامة قيل لي في قلبي أحسن أخلاق المرء في معاملته مع الحق التسليم والرضى وأحسن أخلاقه في معاملته مع الخلق العفو والسخاء انتهى كلامه.

وحب المال من أغلب أخلاق النفس وكذلك العجلة من الأخلاق الرديئة ولذلك قيل إن الصبر أفضل من الشكر وفي الخبر "يؤتى بأشكر أهل الأرض ليجزيه الله جزاء الشاكرين ويؤتى بالصابر فيقول الله هذا أنعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفن لك الأجر فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين" والتحقيق أن تهذيب النفس إنما يكون بالتوحيد بطريقه المخصوص كما أن أصل الإيمان إنما يحصل بالتوحيد والشهادة.

جزء : 1 رقم الصفحة : 281

يا اأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} الخطاب لأئمة المؤمنين أوجب الله تعالى على الإمام وعلى من يجري مجراه ويقوم مقامه إقامة القصاص والتقدير يا أيها الأئمة فرض عليكم استيفاء القصاص إن أراد ولي الدم استيفاءه ويحتمل أن يكون الخطاب متوجها على القاتل والمعنى يا أيها

283

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٣٠