﴿أوالائك﴾ المشترون بكتاب الله ثمنا قليلا ليسوا بمشترين للثمن وإن قل بل ﴿الذين اشتروا﴾ بالنسبة إلى الدنيا ﴿الضلالة﴾ التي ليست مما يمكن أن يشتري قطعا ﴿الهدى﴾ الذي ليس من قبيل ما يبذل بمقابلة شيء وإن جل ﴿والعذاب﴾ أي : اشتروا بالنظر إلى الآخرة العذاب الذي لا يتوهم كونه من المشترى ﴿بالمغفرة﴾ التي يتنافس فيها المتنافسون ﴿فمآ أصبرهم على النار﴾ أي : ما أصبرهم على أعمال أهل النار حين تركوا الهدى وسلكوا مسالك الضلال فالمراد بالنار سببها أطلق عليه اسم النار للملابسة بينهما ومعنى التعجب راجع إلى العباد فهو تعجب أي : إيقاع للمخاطب في العجب لامتناع التعجب في شأنه تعالى لأن التعجب منشأه الجهل بالسبب فإنهم قالوا : التعجب انفعال النفس مما خفي سببه وخرج عن نظائره فلا يجوز على الله تعالى ﴿ذالك﴾ العذاب بالنار ﴿بأن الله﴾ أي : بسبب أنه ﴿نزل الكتاب﴾ أي : جنس الكتاب ﴿بالحق﴾ أي : حال كونه ملتبسا بالحق فلا جرم يكون من يرفضه بالتكذيب والكتمان ويركب متن الجهل والغواية مبتلى بمثل هذا من أفانين العذاب ﴿وإن الذين اختلفوا فى الكتاب﴾ أي : في جنس الكتاب الإلهي بأن آمنوا ببعض كتب الله وكفروا ببعضها أو في التوراة بأن آمنوا ببعض
279
آياتها وكفروا ببعض كالآيات المغيرة المشتملة على أمر بعثة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ونعوته الكريمة أو في القرآن بأن قال بعضهم أنه شعر وبعض سحر وبعض كهانة ﴿لفى شقاقا بعيد﴾ أي : خلاف بعيد عن الحق والصواب مستوجب لأشد العذاب.
اعلم أن في هذه الآيات وعيدا عظيما لكل من يكتم الحق لغرض فاسد دنيوي فليحذروا أي : العلماء أن يكتموا الحق وهم يعلمون وإنما يكتمونه عن الملوك والأمراء والوزراء وأرباب الدنيا إما خوفا من اتضاع مرتبتهم ونقصان قدرهم عندهم وإما طموحا إلى إحسانهم أو لأنهم شركاؤهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص في طلبها أو طلب مناصبها وحب رياستها أو بالتنعم في المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والأمتعة والزينة في كل شيء والخدم والخيول وغير ذلك فعند ذلك يداهنون ويأكلون ثمنا قليلا ولا يأكلون إلا نار الحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
جزء : 1 رقم الصفحة : 279
واعلم أن في كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شررا يجتنى من نار السعير فتحصل في قلب العبد تلك النار في الحال وفي التي تصدر من العبد على وفق الشرع شررا يجتنى من نار المحبة لتظهر في القلب فتحرق كل محبوب غير الله في قلب كما أن نار السعير تحرق في القلب الحسنات والأخلاق الحميدة فيأكلون نارا في الحال وإنما قال ما يأكلون في بطونهم إلا النار لأن فسادهم كان في باطل فكان عذابهم في البطون وإنما لا يكلمهم الله يوم القيامة لأنهم كتموا كلام الله في الدنيا ولا تكلموه بالصدق فكان جزاء سيئة سيئة مثلها وإنما لا يزكيهم لأن تزكية النفس للإنسان مقدرة من الإيمان والأعمال الصالحة بصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع فأولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا حب الدنيا بهدى إظهار الحق وآثروا الخلق على الحق والمداهنة على أفضل الجهاد قال عليه السلام : "إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" وإنما كانت أفضل لأن الجهاد بالحجة والبرهان جهاد أكبر بخلاف الجهاد بالسيف والسنان فإنه جهاد أصغر ومدار كتمان الحق حب الدنيا وحبها رأس كل خطيئة.
قال الحسن : إن الزبانية إلى فسقة حملة القرآن أسرع منهم إلى عبدة الأوثان فيقولون : ربنا ما بالنا يتقدمون إلينا فيقول الله ليس من يعلم كمن لا يعلم فمن اشترى الدنيا بالدين فقد وقع في خسران مبين وكان دائما في منازعة الشيطان.
كما حكي أن رجلا قال للشيخ أبي مدين ما يريد منا الشيطان؟ شكاية منه فقال الشيخ : إنه جاء قبلكم وشكا منك وقال : اعلم أنه سيشكوني ولكن الله ملكني الدنيا فمن نازعني في ملكي لا أتسلى بدون إيمانه فمن كف يده عن الدنيا وزينتها فقد استراح من تعبها ومحنتها.
وحكي أن ذا القرنين اجتاز على قوم تركوا الدنيا وجعلوا قبور موتاهم على أبوابهم يقتاتون بنبات الأرض ويشتغلون بالطاعة فأرسل ذو القرنين إلى ملكهم فقال : ما لي حاجة إلى صحبة ذي القرنين فجاء ذو القرنين فقال : ما سبب قلة الذهب والفضة عندكم؟ قال : ليس للدنيا طالب عندنا لأنها لا تشبع أحدا فجعلنا القبور عندنا حتى لا ننسى الموت ثم اخرج رأس إنسان وقال : هذا رأس ملك من الملوك كان يظلم الرعية ويجمع حطام الدنيا فقبضه الله تعالى وبقي عليه السيئات ثم أخرج رأسا آخر وقال أيضا : هذا
280