تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿فمن اضطر﴾ إما لضرورة الحاجة النفسانية وإما لضرورة أمر الشرع بإقامة أحكام الواجبات عليه فليشرع في شيء مما اضطر إليه ﴿غير باغ﴾ أي : غير حريص على الدنيا وجمعها من الحرام والحلال وغير مولع عن الشهوات بالحرام والحلال وغير مقبل إلى استيفاء حظوظ النفس في الحرام والحلال وغير مواظب على الرياء في الطاعات والخيرات من السنن والبدع ﴿ولا عاد﴾ أي : غير متجاوز من الدنيا حد القناعة وهي ما يسد الجوعة ويستر العورة ﴿فلا إثم عليه﴾ على من قام بهذه الشرائط ﴿إن الله غفور رحيم﴾ يغفر للعاملين له بآثار الرحمة والقائمين به بأنوار الرحمة والماحين فيه بأوصاف الرحمة التقطته من "التأويلات النجمية".

والغفور والغفار هو الذي أظهر الجميل وستر القبيح والذنوب من جملة القبائح التي سترها بأسباب الستر عليها في الدنيا والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة وحظ العبد من هذا الاسم أن يستر من غيره ما يحب أن يستر منه وقد قال عليه السلام : "من ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته يوم القيامة" والمغتاب والمتجسس والمكافىء على الإساءة بمعزل عن هذا الوصف وإنما المتصف به من لا يفشى من خلق الله إلا أحسن ما فيه كما روي عن عيسى عليه السلام أنه مر مع الحواريين بكلب قد غلب نتنه فقالوا ما أنتن هذه الجيفة

278

فقال عليه السلام : ما أحسن بياض أسنانها تنبيها على أن الذي ينبغي أن يذكر من كل شيء ما هو أحسن كذا في "شرح الأسماء الحسنى" للإمام الغزالي قدس سره.

جزء : 1 رقم الصفحة : 276

﴿إن الذين﴾ نزلت في أحبار اليهود فإنهم كانوا يرجون أن يكون النبي المنعوت في التوراة منهم فلما بعث الله نبينا محمدا عليه السلام من غيرهم غيروا نعمته حتى إذا نظر إليه السفلة يجدونه مخالفا لصفة محمد عليه السلام فلا يتبعونه فلا تزول رياستهم ﴿يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب﴾ حال من العائد المحذوف أي : أنزل الله حال كونه من الكتاب وهو التوراة المشتمل على نعت محمد عليه السلام ﴿ويشترون به﴾ أي : بدل المنزل المكتوم ﴿ثمنا قليلا﴾ أي : يأخذون عوضا حقيرا من الدنيا يعني المآكل التي يصيبونها من سفلتهم ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾ أما في الآخرة فظاهر لأنهم لا يأكلون يوم القيامة إلا عين النار عقوبة لهم على أكلهم الرشوة في الدنيا وأما في الدنيا فبأكل سببها فإن أكلهم ما أخذوه من اتباعهم سبب مؤد إلى أن يعاقبوا بالنار فإطلاق النار عليه من قبيل إطلاق اسم المسبب على السبب ومعنى في بطونهم ملء بطونهم يقال : أكل في بطنه وأكل في بعض بطنه يعني أن المقصود من ذكر بطونهم متعلقا بقوله يأكلون إنما هو بيان محل الأكل ومقر المأكول فلما لم يقل يأكلون في بعض بطونهم علم أن محل الأكل هو تمام بطونهم فلزم امتلاءها ففيه مبالغة كأنهم ما كانوا متكئين على البطون عند الأكل فملؤوا بطونهم ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾ أي : لا يكلمهم الله بطريق الرحمة غضبا عليهم فليس المراد به نفي الكلام حقيقة لئلا يتعارض بقوله تعالى ﴿فوربك لنسالنهم أجمعين﴾ (الحجر : 92) ونحوه بل هو كناية عن الغضب لأن نفي الكلام لازم للغضب عرفا وعادة الملوك عند الغضب أنهم يعرضون عن المغضوب عليهم ولا يكلمونهم كما أنهم عند الرضى يتوجهون إليهم بالملاطفة ﴿ولا يزكيهم﴾ لا يثني عليهم ولا يطهرهم من دنس الذنوب يوم يطهر المؤمنين من ذنوبهم بالمغفرة ﴿ولهم عذاب أليم﴾ وجه دائم مؤلم.

جزء : 1 رقم الصفحة : 279

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٢٦