تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال العلماء لو ذبح مسلم ذبيحة وقصد بها التقرب إلى غير الله صار مرتدا وذبيحته ميتة وذبائح أهل الكتاب تحل لنا لقوله تعالى ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ (المائدة : 5) إلا إن سموا غير الله فإنها حينئذ لا تحل لهذه الآية فإن قوله تعالى ﴿وطعام الذين﴾ (المائدة : 5) إلخ عام وقوله ﴿ومآ أهل به لغير الله﴾ خاص مقدم على العام ﴿فمن﴾ يحتمل أن تكون شرطية وموصولة ﴿اضطر﴾ أي : أحوج وألجىء إلى أكل شيء مما حرم الله بأن لا يجد غيرها وجد أن الاضطرار أن يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التلف ﴿غير﴾ نصب على الحال فإنه إذا صلح في موضع لا فهو حال وإن صلح في موضع إلا فهو استثناء وإلا فهو صفة وذو الحال ههنا فاعل فعل محذوف بعد قوله اضطر تقديره فمن اضطره أحد أمرين إلى تناول شيء من هذه المحرمات أحدهما : الجوع الشديد مع عدم وجدان مأكول حلال بسد رمقه ، وثانيهما : الإكراه على تناوله فتناول وأكل حال كونه غير ﴿باغ﴾ على مضطر آخر بأن حصل ذلك المضطر الآخر من الميتة مثلا قدر ما يسد به جوعته فأخذه منه وتفرد بأكله وهلك الآخر جوعا وهذا حرام لأن موت الآخر جوعا ليس أولى من موته جوعا ﴿ولا عاد﴾ من العدو وهو التعدي والتجاوز في الأمر لما حد له فيه أي : غير متجاوز حد الشبع عند الأكل بالضرورة بأن يأكل قدر ما يحصل به سد الرمق والجوعة ﴿فلا إثم عليه﴾ في تناوله عند الضرورة ﴿أن الله غفور﴾ لما أكل في حال الاضطرار ﴿رحيم﴾ بترخيصه ذلك ولم يدكر في هذه الآية سائر المحرمات لأنها ليست لحصر المحرمات بل هذه الآيات سيقت لنهيهم عن استحلال ما حرم الله وهم كانوا يستحلون هذه الأشياء فكانوا يأكلون الميتة ويقولون تأكلون ما أمتم ولا تأكلون ما أماته الله وكذا يأكلون الدم ولحم الخنزير وذبائح الأصنام فبين أنه حرمها فالمراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقا.

وقيل : ذكر الميتة يتناول المتردية وهي الساقطة في بئر أو ماء أو من علو والمنخنقة وهي ما اختنق بالشبكة أو بحبل أو خنق خانق والموقوذة وهي المضروبة بالخشب والنطيحة وهي المنطوحة وما أكل السبع ومتروك التسمية عمدا ونحوها ويكره عشرة من الحيوان الدم والعدة والقبل والدبر والذكر والخصيتان والمرارة والمثانة ونخاع الصلب.

أما الدم فلقول تعالى : ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ (المائدة : 3) وأما ما سواه فلأنها من الخبائث.

جزء : 1 رقم الصفحة : 276

قال الشيخ الشهير بأفتاده أفندي : ذكر

277

أن النبي عليه السلام لم يأكل الطحال ولا الكلية ولا الثوم وإن لم يمنع عن أكلها فالأولى أن لا تؤكل اقتفاء لأثره ثم قيل في وجهه أن المني إذا نزل لم ينزل إلا بعد اتصاله بالكلية.

وأما الطحال فلأنه من أطعمة أهل النار كذا في "واقعات الهدائي" قدس سره ومن امتنع من الميتة حال المخمصة أو صام ولم يأكل حتى مات أثم بخلاف من امتنع من التداوي حتى مات فإنه لا يأثم لأنه لا يقين بأن هذا الدواء يشفيه ولعله يصح من غير علاج.

وذكر في "الأشباه والنظائر" : أنه يرخص للمريض التداوي بالنجاسات وبالخمر على أحد القولين واختار قاضي خان عدمه وإساغة اللقمة بها إذا غص اتفاقا وإباحة النظر للطبيب حتى للعورة والسوءتين انتهى ويحل للعطشان شرب الخمر حالة الاضطرار على ما نص عليه في "الخانية" وما قال الصدر الشهيد من أن الاستشفاء بالحرام حرام فهو غير مجرى على إطلاقه لأن الاستشفاء بالمحرم إنما لا يجوز إذا لم نعلم أن فيه شفاء وأما إذا علم ذلك وليس له دواء آخر غيره يجوز له الاستشفاء به ومعنى قول ابن مسعود رضي الله عنه أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم يحتمل أن عبد الله قال ذلك في داء عرف له دواء غير محرم لأنه حينئذ يستغني بالحلال عن الحرام ، وفي "التهذيب" : يجوز للعليل شرب البول والدم للتداوي إذا أخبره طبيب مسلم أن شفاءه فيه ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه كذا في شرح "الأربعين حديثا" لعلامة الروم ابن الكمال.

والإشارة في قوله تعالى ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾ أنه كما حرم على الظواهر هذه المعهودات حرم على البواطن شهود غير الله فالميتة هي جيفة الدنيا ﴿والدم﴾ هي الشهوات النفسانية قال عليه السلام "إن الشيطان ليجري في ابن آدم مجرى الدم" ولولا أن الشهوات في الدم مستكنة لما كان للشيطان إليه سبيل ولهذا قال عليه السلام : "سددوا مجاري الشيطان بالجوع" لأن الجوع يقطع مادة الشهوات ﴿ولحم الخنزير﴾ إشارة إلى هوى النفس وتشبيه النفس بالخنزير لغاية حرصها وشرهها وخستها وخباثة ظاهرها وباطنها ﴿ومآ أهل به لغير الله﴾ هو كل ما يتقرب به إلى الله من الطاعات البدنية والخيرات المالية من غير إخلاصوفي الله بل للرياء والسمعة في سبيل الهوى

جزء : 1 رقم الصفحة : 276

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٢٥