حلالا وهو ما انحل عنه عقد الحظر ﴿طيبا﴾ طاهرا من جميع الشبه صفة حلالا أو الحلال ما يستطيبه الشرع والطيب ما يستطيبه الشهوة المستقيمة أي : يستلذه الطبع ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ الخطوة بالفتح المرة من نقل القدم وبالضم بعد ما بين قدمي الماشي يقال : اتبع خطواته ووطىء على عقبه إذا اقتدى به واستن بسنته أي : لا تقتدوا بآثاره وطرقه ومذاهبه في اتباع الهوى وهي وساوسه فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام ﴿إنه لكم عدو مبين﴾ تعليل للنهي أي : ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة وأما عند متبعي الهوى الذين لا بصيرة لهم فهو كولي حميم حيث يدلهم على مشتهات نفوسهم ولذائذ مراداتها المستحسنة فقوله مبين من أبان بمعنى بان وظهر وجعله الواحدي من أبان المتعدي حيث قال إنه عدو مبين قد أبان عداوته لكم بإبائه السجود لأبيكم آدم وهو الذي أخرجه من الجنة ﴿إنما يأمركم﴾ أي : يوسوس لكم شبه تسلطه عليهم بآمر مطاع وشبهوا في قبولهم للوسوسة وطاعتهم له بالطبع بمأمور مطيع وفيه رمز إلى أنهم بمنزلة المأمورين المنقادين له تسفيها لرأيهم وتحقيرا لشأنهم ﴿بالسواء﴾ وهو كل ما ساءك في عاقبتك يطلق على جميع المعاصي سواء كانت من أعمال الجوارح أو أعمال القلوب لاشتراك كلها في أنها تسوء صاحبها وتحزنه ﴿والفحشآء﴾ من عطف الخاص على العام أي : أقبح أنواع المعاصي وأعظمها مساءة فالزنى فاحشة والبخل فاحشة وكل فعلة قبيحة فاحشة وأصل الفحش مجاوزة القدر في كل شيء وجعل البيضاوي المغايرة بين السوء والفحشاء بحسب المفهوم دون الذات فإنه سميت المعصية سوءا لاغتمام العاقل بها وفحشاء باستقباحه إياها فإطلاق السوء والفحشاء على المعصية من قبيل التوصيف بالمصدر للمبالغة مثل رجل عدل
جزء : 1 رقم الصفحة : 271
﴿وأن تقولوا﴾ أي : يأمركم بأن تفتروا ﴿على الله﴾ بأنه حرم هذا أو ذاك ﴿ما لا تعلمون﴾ أن الله تعالى أمر به وهو أقبح ما أمر به الشيطان من القبائح لأن وصفه تعالى بما لا ينبغي أن يوصف به من أعظم أنواع الكبائر كما أن الفحشاء أقبح أنواع السوء.
فإن قيل كيف يأمرنا الشيطان بذلك ونحن لا نراه ولا نسمع كلامه فكيف وسوسته وكيف وصوله إلى القلب.
قلنا وهو كلام خفي على ما قيل تميل إليه النفوس والطبع وقد قيل : يدخل في جسد ابن آدم لأنه جسم لطيف يوسوس وهو أنه يحدث النفس بالأفكار الرديئة قال تعالى : ﴿يوسوس فى صدور الناس﴾ (الناس : 5) ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم اعمر قلبي من وساوس ذكرك واطرد عني وساوس الشيطان".
قال في "أكام المرجان" : وينحصر ما يدعو الشيطان إليه ابن آدم ويوسوس له في ست مراتب :
المرتبة الأولى : مرتبة الكفر والشرك ومعاداة رسوله فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه لأنه حصل منتهى أمنيته وهذا أول ما يريده من العبد.
المرتبة الثانية : البدعة وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها لأن صاحبها يظنها حقيقة صحيحة فلا يتوب ، فإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة الثالثة : وهي الكبائر على اختلاف أنواعها ، فإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة الرابعة : وهي الصغائر التي إذا اجتمعت صارت كبيرة والكبائر ربما أهلكت صاحبها كما قال عليه السلام : "إياكم ومحقرات الذنوب" فإن مثل ذلك قوم نزلوا بفلاة من الأرض فجاء كل واحد بعود حطب حتى أوقدوا نارا عظيمة وطبخوا وشبعوا ، فإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة
272
الخامسة وهي اشتغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب بل عقابها فوات الثواب الذي فات عليه باشتغاله بها.
فإن عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة السادسة وهي أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل فيجره من الفاضل إلى المفضول ومن الأفضل إلى الفاضل ليتمكن من أن يجره من الفاضل إلى الشرور بما يجره من الفاضل السهل إلى الأفضل الأشق كمائة ركعة بالنسبة إلى ركعتين ليصير ازدياد المشقة سببا لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية.
وإنما خلق الله إبليس ليتميز به الخبيث من الطيب فخلق الله الأنبياء لتقتدي بهم السعداء وخلق إبليس لتقتدي به الأشقياء ويظهر الفرق بينهما فإبليس دلال وسمسار على النار والخلاف وبضاعته الدنيا ولما عرضها على الكافرين قيل ما ثمنها؟ قال : ترك الدين فاشتروها بالدين وتركها الزاهدون وأعرضوا عنها والراغبون فيها لم يجدوا في قلوبهم ترك الدين ولا الدنيا فقالوا له : أعطنا مذاقة منها حتى ننظر ما هي؟ فقال : إبليس أعطوني رهنا فأعطوه سمعهم وأبصارهم ولذا يحب أرباب الدنيا استماع أخبارها ومشاهدة زينتها لأن سمعهم وبصرهم رهن عند إبليس فأعطاهم المذاقة بعد قبض الرهن فلم يسمعوا من الزهاد عيب الدنيا ولم يبصروا قبائحها بل استحسنوا زخارفها ومتاعها فلذلك قيل : حبك الشيء يعمي ويصم.