جزء : 1 رقم الصفحة : 271
فعلى العاقل أن يزهد ويرغب عن الدنيا ولا يقبل منها إلا الحلال الطيب.
قال الحسن البصري : الحلال الطيب ما لا سؤال فيه يوم القيامة وهو ما لا بد منه قال النبي عليه السلام : "إن الله يهب لابن آدم ما لا بد منه ثوب يواري به عورته وخبز يرد جوعته وبيت كعش الطير" فقيل : يا رسول الله فكيف الملح فقال : "الملح مما يحاسب به".
وفي "التأويلات النجمية" : الحلال ما أباح الله أكله والطيب ما لم يكن مشوبا بشبهة حقوق الخلق ولا بسرف حظوظ النفس وكل طيب حلال وليس كل حلال طيبا ولهذا قال النبي عليه السلام : "إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب" يعني غير مشوب بعيب أو شبهة قيل : ولا يقال إن الله حلال.
واعلم أن أكل الحلال الطيب يورث القيام بطاعة الله والاجتناب عن خطوات الشيطان فالعمل الصالح نتيجة اللقمة الطيبة.
وفي "المثنوي" :
علم وحكمت زايد ازلقمه حلال
عشق ورقت زايد ازلقمه حلال
ون زلقمه توحسد ببني ودام
جهل وغفلت زايد آنرادان حرام
هي كندم كارى وجو بردهد
ديده اسبى كه كره خرد دهد
لقمه تخمست وبرش انديشها
لقمه بحر وكوهرش انديشها
زايد ازلقمه حلال اندردهان
ميل خدمت عزم سوى آن جهان
وطلب الحلال بالكسب المشروع سنة الأنبياء عليهم السلام.
وفي الكسب فوائد كثيرة منها الزيادة على رأس المال إن عمل للتجارة والزراعة وغرس الأشجار وفيها صدقة لما أكلته الطيور وغيرها.
ومنها اشتغال المكتسب بالكسب عن البطالة واللهو.
ومنها كسر النفس وصيرورتها قليلة الطغيان.
ومنها أن الكسب واسطة الأمان من الفقر الذي هو اسوداد الوجه في الدارين ولا يتحرك في الكسب لأجل عياله إلا قال له حافظاه بارك الله لك في حركاتك وجعل نفقاتك ذخرا لك في الجنة ويؤمن عليهما ملائكة السموات والأرض وأفضل الكسب الجهاد ثم التجارة ثم
273
الحراثة ثم الصناعة.
جزء : 1 رقم الصفحة : 271
﴿وإذا قيل لهم﴾ نزلت في مشركي العرب وكفار قريش أمروا باتباع القرآن وسائر ما أنزل تعالى من البينات الباهرة فجنحوا للتقليد أي : وإذا قيل للمشركين من الناس على وجه النصيحة والإرشاد ﴿اتبعوا مآ أنزل الله﴾ كتاب الله الذي أنزله فاعملوا بتحليل ما أحل الله وتحريم ما حرم الله في القرآن ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴿قالوا بل﴾ عاطفة للجملة التي تليها على الجملة المحذوفة قبلها ﴿نتبع مآ ألفينا﴾ أي : وجدنا ﴿عليه ءابآءنآ﴾ من اتخاذ الأنداد وتحريم الطيبات ونحو ذلك لأنهم كانوا خيرا منا فقلدوا آباءهم فانظروا أيها العقلاء إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون؟ فقال الله تعالى ردا عليهم بهمزة الإنكار والتعجب مع واو الحال بعدها ﴿أولو كان ءابآؤهم﴾ لما اقتضت الهمزة صدر الكلام والواو وسطه قدر بين الهمزة والواو جملة لتقع الهمزة في صدرها والمعنى أيتبعونهم ولو كان آباؤهم أي : في حال كون آبائهم ﴿لا يعقلون شيئا﴾ من الدين لأنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا ﴿ولا يهتدون﴾ للصواب والحق يعني هذا منكر مستبعد جدا لأن اتباع من لا عقل له ولا اهتداء إلى طريق الحق لا وجه له أصلا.
جزء : 1 رقم الصفحة : 274