تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محذوف ﴿كذالك﴾ أي : مثل ذلك الإيراء الفطيع وهو نزول العذاب عليهم وتبري بعضهم من بعضهم من بعض ﴿يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾ أي : ندمات شديدة فإن الحسرة شدة الندم والكمد وهي تألم القلب وانحساره عما يؤلمه بحيث يبقى النادم كالحسير من الدواب وهو الذي انقطعت قوته فصار بحيث لا ينتفع به وأصل الحسر الكشف ومن فات عنه ما يهواه وانكشف قلبه عنه يلزمه الندم والتأسف على فواته فلذلك عبر عن الحسرة التي هي انكشاف القلب عما يهواه بلازمه الذي هو الندم والرؤية إن كانت بصرية تكون حسرات حالا من أعمالهم والمعنى أن أعمالهم تنقلب حسرات عليهم فلا يرون أعمالهم إلا حال كونها حسرات وإن كانت قلبية فهي ثالث مفاعيل يرى وعليهم يتعلق إما بخسران والمضاف محذوف أي : على تفريطهم أو بمحذوف منصوب على أنه صفة لحسرات أي : حسرات مستولية عليهم فإن ما عملوه من الخيرات محبوطة بالكفر فيتحسرون لم ضيعوها ويتحسرون على ما فعلوه من المعاصي لم عملوها.

قال السدي ترفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله فيقال لهم تلك مساكنهم لو أطعتم الله ثم تقسم بين المؤمنين وذلك حين يندمون ويتحسرون ﴿وما هم بخارجين من النار﴾ لأنهم خلقوا لأجلها.

جزء : 1 رقم الصفحة : 270

روي أنه يساق أهل النار إلى النار لم يبق منهم عضو إلا لزمه عذاب إما حية تنهشه أو ملك يضربه فإذا ضربه الملك هوى في النار مقدار أربعين يوما لا يبلغ قرارها ثم يرفعه اللهب ويضربه الملك فيهوي فإذا بدا رأسه ضربه كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب فإذا عطش أحدهم طلب الشراب فيؤتى بالحميم فإذا دنا من وجهه سقط وجهه ثم يدخل في فيه فتسقط أضراسه ثم يدخل بطنه فيقطع أمعاءه وينضج جلده وهكذا يعذبون في النار لا يموتون فيها ولا يحيون ولا يخرجون.

قال سعيد بن جبير إن الله تعالى يأمر يوم القيامة من أحرق نفسه في الدنيا على ربوبية الأصنام أن يدخلوا جهنم مع أصنامهم فلا يدخلون لعلمهم أن عذاب جهنم على الدوام ثم يقول للمؤمنين بين أيدي الكفار إن كنتم أحبائي فادخلوا جهنم فيقتحمون فيها وينادي مناد من تحت العرش والذين آمنوا أشد حبالأن الله أحبهم أولا ثم أحبوه ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتم.

قال تعالى : ﴿يحبهم ويحبونه﴾ (المائدة : 54) ومن لم يكن أهلا لمحبة الله أزلا طردته العزة إلى محبة الأنداد وهي كل ما يحب سوى الله فمن وكل إلى المحبة النفسانية تعلقت محبته بملائم هوى النفس من الأصنام فكما أن الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها وبعضهم يحبون الأولاد ويعبدونها فمحبة الأولاد والأزواج والأموال تمنع عن محبة الله ومن أحب الله يرى ما سواه بنظر العداوة كما قال الخليل عليه السلام فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ومن كان في الأزل أهلا لمحبة الله جذبته العناية فتجلى له الحق فانعكست تلك المحبة لمرآة قلبه فلا تتعلق بغير الله لأنها من عالم الوحدة فلا تقبل الشركة والأعداء أحبوا الأنداد بمحبة فانية نفسانية والأحباء أحبوا الله بمحبة باقية ربانية بل أحبوه بجميع أجزائهم الفانية والباقية اللهم أوصلنا إلى حقيقة المحبة واليقين والتمكين.

جزء : 1 رقم الصفحة : 270

يا اأيها الناس} نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس ﴿كلوا مما فى الأرض﴾ أي : من بعض ما فيها من أصناف المأكولات لأن كل ما فيها لا يؤكل ﴿حلالا﴾ حال من الموصول أي : حال كونه

271

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢١٩