تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن نتائج صفة الرحمن الرحيم في حق الإنسان ما أشار إليه في قوله إن في خلق إلخ يعني أن الحكمة في خلق هذه الأشياء أن يكون كل شيء مظهر آية من آيات الله ولا فائدة لهذه الأشياء من الآيات المودعة فيها فإن فائدتها عائدة إلى الإنسان لأنهم قوم يعقلون الآيات كما قال : ﴿سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ (فصلت : 53) فالعالم بما فيه خلق بتبعية الإنسان لأن العالم مظهر آيات الحق والآيات المرئيات الإنسان والإنسان مظهر معرفة الحق ولهذا قال : ﴿وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات : 56) أي : ليعرفون فلو لم يكن لأجل معرفة الله ما خلق الإنسان ولو لم يكن لأجل الإنسان ما خلق العالم بما فيه كما قال للنبي عليه الصلاة والسلام : "لولاك لما خلقت الكون" وكان العالم مرآة يظهر فيه آيات كمال الحق وجلاله والإنسان هو المشاهد لآيات الجمال والجلال في مرآة العالم وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم وما يظهر فيه كما قال تعالى : ﴿وفى أنفسكم أفلا تبصرون﴾ (الذاريات : 21) وهذا تحقيق قوله : "من عرف نفسه فقد عرف ربه" لأن نفسه مرآة جمال ربه وليس أحد غير الإنسان يشاهد حال ربه في مرآة العالم ومرآة نفسه بإراءة الحق كما قال : ﴿سنريهم ءاياتنا﴾ (فصلت : 53) إلخ فاعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين ومما يدل على أن خلق السموات والأرض وما بينهما تبع لخلق الإنسان قوله عليه الصلاة والسلام : "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله" يعني إذا مات الإنسان الذي هو يقول الله الله قامت القيامة فلم تبق السموات والأرض لأن وجودهما كان تبعا لوجود الإنسان فإذا لم يبق المتبوع ما بقي التابع كذا في "التأويلات النجمية".

فعلى السالك أن يصل بالذكر الحقيقي إلى المقصود الأصلي فإن التوحيد ينفي الباطل وينفي الأغيار.

روى عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي حصين "كم تعبد اليوم من إله" فقال : أعبد سبعا ستا في الأرض وواحدا في السماء قال : "وأيهم تعبده لرغبتك ورهبتك" فقال الذي في السماء فقال عليه الصلاة والسلام : "فيكفيك إله السماء" ثم قال : يا حصين لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك فأسلم حصين ثم قال : يا رسول الله علمني هاتين الكلمتين فقال عليه الصلاة والسلام : "قل اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي".

جزء : 1 رقم الصفحة : 267

﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله﴾ من لابتداء الغاية متعلق بيتخذ ودون في الأصل ظرف مكان استعمل هنا بمعنى غير مجازا والاتخاذ بمعنى الصنع والعمل متعد إلى مفعول واحد وهو هنا قوله : ﴿أندادا﴾ هي الأصنام التي بعضها أنداد لبعض أي : أمثال أو إنها أندادتعالى بحسب ظنونهم الفاسدة من حيث أنهم كانوا يرجون من عندها النفع والضرر وقصدوها بالمسائل وقربوا لها القرابين فإرجاع ضمير العقلاء إليها في قوله تعالى : ﴿يحبونهم﴾ مبني على آرائهم الباطلة في شأنها من وصفهم بما لا يوصف به إلا العقلاء أو هي الرؤساء الذين يطيعونهم.

قال القاضي : ولعل المراد أعم منهما وهو ما يشغله عن الله تعالى فإنه قال الصوفية والعارفون كل شيء شغلت به قلبك سوى الله تعالى فقد جعلته في قلبك ندا له تعالى ويدل عليه قوله

269

تعالى : ﴿أفرءيت من اتخذ إلاهه هوااه﴾ (الفرقان : 43) ﴿يحبونهم﴾ الجملة صفة لأندادا أي : يعظمونهم ويخضعون لهم ويطيعونهم تعظيم المحبوب وإطاعته ﴿كحب الله﴾ أي : حبا كائنا مثل حبهم الله تعالى أي : يسوون بينه تعالى وبينهم في الطاعة والتعظيم والمقصود من التشبيه ما في الوصف من القوة والضعف والمراد ههنا التسوية وهذه التسوية في التعظيم لا تنافي إقرارهم بربوبيته تعالى كما يدل عليه قوله تعالى : ﴿ولاان سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله﴾ (لقمان : 25) ولفظ المحبة مأخوذ من الحب بالفتح كحبة الحنطة والشعير شبه حبة القلب أي : سويداءه بالحب المعروف في كون كل منهما منشأ ومبدأ للآثار العجيبة فاستعير اسم الحب لها ثم اشتق من الحب المستعار للقلب الحب بمعنى ميل القلب لأنه أصابها ورسخ فيها ومحبة العبدتعالى إرادة طاعته في أوامره ونواهيه والاعتناء لتحصيل مراضيه ومحبة الله للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة وصونه من المعاصي ثم فصل محبة المؤمنين بقوله :

جزء : 1 رقم الصفحة : 269

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢١٧