تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن عباس رضي الله عنهما : أعظم جنود الله الريح والماء وسميت الريح ريحا لأنها تريح النفوس.

قال وكيع الجراح : لولا الريح والذباب لأنتنت الدنيا.

قال شريح القاضي : ما هبت الريح إلا لشفاء سقيم أو لسقم صحيح وقال بكر بن عباس : لا تخرج من السحاب قطرة حتى تعمل في السحاب هذه الرياح الأربع فالصبا تهيجه والجنوب تقدره والدبور تلقحه والشمال تفرقه.

وأصول الرياح هذه الأربع فالشمال من ناحية الشام والجنوب تقابلها والصبا هي القبول من المشرق والدبور تقابلها وكل ريح جاءت بين مهب ريحين فهي نكباء لأنها نكبت أي : عدلت ورجعت عن مهاب هذه الأربع.

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : الرياح ثمان : أربع رحمة وأربع عذاب فالرحمة الناشرات وهي الرياح الطيبة والمبشرات وهي الرياح التي تبشر بالغيث واللواقح : وهي التي تلقح الأشجار والذاريات : وهي التي تذر والتراب وغيره والعذاب الصرصر والعقيم : وهما في البر والعاصف والقاصف : وهما في البحر والعقيم : هي التي لم تلقح سحابا ولا شجرا والعاصف : الشديد الهجوم التي تقلع الخيام ﴿والسحاب المسخر﴾ عطف على تصريف أي : الغيم المذلل المنقاد الجاري على ما أجراه الله تعالى عليه وهو اسم جنس واحده سحابة وسمي سحابا لأنه ينسحب في الجو أي : يسير في سرعة كأنه يسحب أي : يجر ﴿بين السمآء والارض﴾ صفة للسحاب باعتبار لفظه وقد يعتبر معناه فيوصف بالجمع كما في قوله تعالى : ﴿سحابا ثقالا﴾ (الأعراف : 57) أي : لا ينزل الأرض ولا ينكشف مع أن طبع السحاب يقتضي أحد هذين النزول والانكشاف.

قيل : لأنه لو كان خفيفا لطيفا ينبغي أن يصعد ولو كثيفا يقتضي أن ينزل ﴿لايات﴾ اسم إن دخلته اللام لتأخره عن خبرها ولو كان في موضعه لما جاز دخول اللام عليه والتنكير للتفخيم كما وكيفا أي : آيات عظيمة كثيرة دالة على القدرة القاهرة والحكمة الباهرة والرحمة الواسعة المقتضية لاختصاص الألوهية به سبحانه ﴿لقوم﴾ في محل النصب لأنه صفة لآيات فيتعلق بمحذوف ﴿يعقلون﴾ في محل الجر على أنه صفة لقوم أي : يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون العقول والقلوب ويعتبرون بها لأنها دلائل على عظم قدرة الله فيها وباهر حكمته فيستدلون بهذه الأشياء على موجدها فيوحدونه وفيه تعريض لجهل المشركين الذين اقترحوا على الرسول آية تصدقه في قوله تعالى : ﴿وإلاهكم إلاه واحد﴾ وتسجيل عليهم بسخافة العقول إذ لو عقلوه لكفاهم بهذه التصاريف آية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها" المج حقيقة قذف الريق ونحوه من الفم عدي بالباء لما فيه من معنى الرمي واستعير ههنا لعدم الاعتبار والاعتداد فإن من تفكر فيها فكأنه حفظها ولم يلقها من فيه.

جزء : 1 رقم الصفحة : 267

واعلم أن قوله تعالى : ﴿وإلاهكم إلاه واحدا لا إله إلا هو﴾ أول آية

268

نزلت في التوحيد بحسب الرتبة أي : أقدم توحيد من جهة الحق لا من جهتنا فإن أول رتبة التوحيد من طرفنا توحيد الأفعال وهذا هو توحيد الذات ولما بعد هذا التوحيد عن مبالغ أفهام الناس نزل إلى مقام توحيد الصفات بقوله الرحمن الرحيم ثم إلى توحيد الأفعال ليستدل به عليه فقال : إن في خلق الآية كذا في "التأويلات القاشانية".

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢١٦