تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿إن الذين كفروا﴾ أي : استمروا على الكفر المستتبع للكتمان وعدم التوبة ﴿وماتوا وهم كفار﴾ مصرون على كفرهم لا يرتدعون عن حالتهم الأولى ﴿أوالائك﴾ مستقر ﴿لعنة الله والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون﴾ أي : هم المخصوصون باللعنة الأبدية أحياء وأمواتا فمن يعتد بلعنتهم وهم المؤمنون لأنهم هم الناس في الحقيقة لانتفاعهم بالإنسانية وأما الكفار فهم كالأنعام وأضل سبيلا فلا اعتداد بهم عند الله أو الناس عام لأن الكفار يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا والله تعالى يلعنهم يوم القيامة ثم يلعنهم الملائكة ثم تلعنهم الناس والظالم يلعن الظالمين ومن لعن الظالمين وهو ظالم فقد لعن نفسه.

جزء : 1 رقم الصفحة : 264

﴿خالدين فيها﴾ حال من المضمر في عليهم أي : دائمين في اللعنة لأنهم خلدوا في النار خلدوا في الإبعاد عن رحمة الله تعالى ﴿لا يخفف عنهم العذاب﴾ استئناف لبيان كثرة عذابهم من حيث الكيف إثر بيان كثرته من حيث الكم أي : لا يرفع عنهم ولا يهون عليهم ﴿ولا هم ينظرون﴾ من الإنظار بمعنى الإمهال والتأجيل أي : لا يمهلون للرجعة ولا للتوبة ولا للمعذرة أو يعذبون على الدوام والاستمرار وأن كل وجه من وجوه عذابهم يتصل بوجه آخر مثله أو أشد منه وأنهم لا يمهلون ولا يؤجلون ساعة ليستريحوا فيها أو من النظر بمعنى الانتظار أي : لا ينتظرون ليعتذروا أو بمعنى الرؤية أي : لا ينظر إليهم نظر رحمة وإنما خلدوا في النار لأن نيتهم كانت عبادة الأصنام أبدا إن عاشوا فجوزوا بتأبيد العذاب وأما الدركات في النيران فلتفاوت سوء الأحوال والتفاوت في شدة الكفر فيرجع إلى شدة العذاب في الدركات لأن النيات متفاوتة كالأعمال والتأديب في الحكمة واجب ولما أساء الكفار بسوء الاعتقاد في حقه تعالى أدبوا بالحرمان من الجنة والخلود في النار ونعم ما قيل :

سفيها نرا بود تأديب نافع

جنونانرا وشربت كشت دافع

265

وإنما حمل هؤلاء اليهود على ما فعلوا من الكتمان وغيره حب الرياسة والدنيا لأنهم خافوا أن يذهب مأكلتهم من السفلة وما يغني عنهم ذلك شيئا إذا كان مصيرهم إلى النار.

وفي الخبر أن مؤمنا وكافرا في الزمان الأول انطلقا يصيدان السمك فجعل الكافر يذكر آلهته ويأخذ السمك حتى أخذ سمكا كثيرا وجعل المؤمن يذكر الله كثيرا فلا يجيء شيء ثم أصاب سمكة عند الغروب فاضطربت فوقعت في الماء فرجع المؤمن وليس معه شيء ورجع الكافر وقد امتلأت شبكته فأسف ملك المؤمن الموكل عليه فلما صعد إلى السماء أراه الله مسكن المؤمن في الجنة فقال : والله ما يضره ما أصابه بعد أن يصير إلى هذا وأراه مسكن الكافر في جهنم فقال : والله ما يغني عنه ما أصابه في الدنيا بعد أن يصير إلى هذا كذا في "شرح الخطب" :

نركس اندر خواب غفلت يافت بلبل صد وصال

خفته نابينا بود دولت به بيداران حسد

جزء : 1 رقم الصفحة : 265

ومرتكب المعاصي لو عرف عذاب الجحيم حق المعرفة لما ارتكبها حتى أن من قوي ظنه أن في هذه الثقبة حية لا يدخل يده فيها فما ظنك في ارتكاب المعاصي بملاحظة عذاب النار.

واعلم أن أحبار اليهود لما لم ينتفعوا بعلمهم ضلوا فأضلوا فخذلهم الله ولعنهم.

وذكر في الخالصة لن يهلك قوم بظلمهم وإنما أهلكهم ظلم ولاتهم.

قال الشيخ الشهير بافتاده أفندي قدس سره : وكذا الحال في الإرشاد فإن الضلال والفساد في الطالبين من فساد مرشدهم فما دام المرشد على الصراط المستقيم يحفظ الله تعالى الطالب من الضلال فإن نزول البلاء على قوم من فساد رئيسهم.

وحكي أن أمنا حواء أكلت أولا من الشجرة فلم يقع شيء فلما أكل منها أبونا آدم عليه السلام وقع الخروج من الجنة انتهى فويل لأرباب الرياسة الذين ظلموا أنفسهم وتجاوز ظلمهم إلى من عداهم فإنهم هم الواقعون في عذاب النار نار القطيعة والهجران وجهنم البعد عن الله ورحمته اللهم حفظنا.

﴿وإلاهكم﴾ خطاب عام لكافة الناس أي : المستحق منكم للعبادة ﴿إلاه واحد﴾ فرد في الإلهية لا شريك له فيها ولا يصح أن يسمي غيره إلها فلا معبود إلا هو وهو خبر مبتدأ وواحد صفة وهو الخبر في الحقيقة لأنه محط الفائدة ألا يرى أنه لو اقتصر على ما قبله لم يفد ﴿لا إله إلا هو﴾ تقرير للوحدانية وإزاحة لأن يتوهم أن في الوجود إلها ولكن لا يستحق منهم العبادة يعني بهذا فاعرفوه ودائما فاعبدوه ولا ترجوا غيره ولا تخافوا سواه ولا تعبدوا إلا إياه والاستثناء بدل من اسم لا على المحل إذ محله الرفع على الابتداء والخبر محذوف أي : لا إله كائن لنا أو موجود في الوجود إلا الله.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢١٤