وفي "التأويلات القاشانية" : ﴿إن الصفا﴾ وجود القلب ﴿والمروة﴾ وجود النفس ﴿من شعآئر الله﴾ من أعلام دين الله ومناسكه القلبية كاليقين والتوكل والرضى والإخلاص والنفسية كالصبر والشكر والذكر والفكر ﴿فمن حج البيت﴾ أي : بلغ مقام الوحدة الذاتية ودخل الحضرة الإلهية بالفناء الكلي الذاتي ﴿أو اعتمر﴾ زار الحضرة بالبلوغ إلى مقام المشاهدة بتوحيد الصفات والفناء في أنوار تجليات الجمال والجلال ﴿فلا جناح﴾ فلا حرج ﴿عليه﴾ حينئذ في ﴿أن يطوف بهما﴾ أي : يرجع إلى مقامهما ويتردد بينهما لا بوجودهما التلويني فإنه جناح وذنب بل بالوجود الموهوب الحقاني بعد الفناء عند التمكين ولهذا نفى الجناح فإن في هذا الوجود سعة بخلاف الأول ﴿ومن تطوع خيرا﴾ أي : ومن تبرع خيرا من باب التكميل والتعليم والإرشاد وشفقة الخلق في مقام القلب ومن باب الأخلاق وطرف البر والتقوى ومعاونة الضعفاء والمساكين وتحصيل الهمم في مقام النفس بعد كمال السلوك حال البقاء بعد الفناء ﴿فإن الله شاكر﴾ شكر عمله بثواب المزيد ﴿عليم﴾ بأنه من باب التصرف في الأشياء بالله لا من باب التلوين والابتلاء والفترة انتهى كلام القاشاني :
يا خفي الذات محسوس العطاء
أنت كالماء ونحن كالرحاء
أنت كالريح ونحن كالغبار
يختفي الريح وغبراه جهار
جزء : 1 رقم الصفحة : 262
﴿إن الذين يكتمون﴾ الآية نزلت في رؤساء اليهود وأحبارهم أو في كل من كتم شيئا من أحكام الدين وهو الأقرب لأن اللفظ عام وعموم الحكم لا يأبى خصوص السبب والكتم والكتمان ترك إظهار الشيء قصدا مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهاره وذلك قد يكون بمجرد ستره وإخفائه وقد يكون بإزالته ووضع شيء آخر في موضعه وهو الذي فعله هؤلاء في نعوت النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها ﴿مآ أنزلنا﴾ حال كونه ﴿من البينات﴾ أي : من الآيات الواضحة الدالة على أمر محمد عليه السلام وعلى الرجم وتحويل القبلة الحرام والحلال ﴿والهدى﴾ أي : والآيات الهادية إلى كنه أمره ووجوب اتباعه عليه السلام والإيمان به ﴿من﴾ متعلق بيكتمون ﴿بعد ما بيناه﴾ أي : أوضحناه ولخصناه ﴿للناس﴾ جميعا لا الكاتمين فقط ﴿في الكتاب﴾ أي : التوراة وتبيينه لهم إيضاحه بحيث يتلقاه كل أحد من غير أن يكون فيه شبهة.
قال ابن الشيخ في "حواشيه" : فالمراد بالبينات ما أنزل على الأنبياء من الكتب والوحي دون أدلة العقل وأن قوله والهدى يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية وقوله تعالى في حق الهدي من بعد ما بيناه وما لخصناه في الكتاب لا يقتضي اتحادهما وأن يكون العطف لتغاير اللفظين لأن كون ما بيناه في الكتاب كما يجوز أن يكون بطريق كونه من جملة التنزيل يجوز
264
أن يكون بطريق كونه فائدة ملخصة أي : مستفادة منه ﴿أوالائك﴾ أي : أهل هذه الصفة ﴿يلعنهم الله﴾ أي : يطردهم ويبعدهم من رحمته بسبب كتمهم الحق
جزء : 1 رقم الصفحة : 264
﴿ويلعنهم اللاعنون﴾ أي : الذين يتأتى منهم اللعن أي : الدعاء عليهم باللعن من الملائكة ومؤمني الثقلين.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه ما تلاعن اثنان إلا ارتفعت اللعنة بينهما فإن استحقها أحدهما وإلا رجعت على اليهود الذين كتموا صفة محمد عليه السلام أو اللاعنون البهائم والهوام تلعن العصاة تقول اللهم العن عصاة بني آدم فبشؤمهم منع عنا الفطر ﴿إلا الذين تابوا﴾ من الكتمان وسائر ما يجب أن يتاب منه الاستثناء متصل والمستثنى منه هو الضمير في يلعنهم ﴿وأصلحوا﴾ ما أفسدوا بالتدارك فإنه لا بد بعد التوبة من إصلاح ما أفسده مثلا لو أفسد على غير دينه بإيراد شبهة عليه يلزمه إزالة تلك الشبهة وبعد ذلك لا بد له من أن يفعل ضد الكتمان وهو البيان وهو المراد بقوله تعالى : ﴿وبينوا﴾ أي : ما بينه الله في كتابهم لتتم توبتهم فدلت الآية على أن التوبة لا تحصل إلا بترك كل ما لا ينبغي وبفعل كل ما ينبغي ﴿فأولئك أتوب عليهم﴾ أي : بالقبول وإفاضة الرحمة والمغفرة فإن التوبة إذا أسندت إليه تعالى بأن قيل : تاب الله أو يتوب مكون بمعنى المقبول وقبول التوبة يتضمن المغفرة أي : إزالة عقاب من تاب ﴿وأنا التواب الرحيم﴾ أي : المبالغ في قبول التوبة ونشر الرحمة ولما ذكر لعنتهم أحياء ذكر لعنتهم أمواتا فقال :