وأجاب دعاءها فجعلها طاعة لجميع المكلفين إلى يوم القيامة.
وفي الخبر "الصفا والمروة بابان من الجنة وموضعان من مواضع الإجابة ما بينهما قبر سبعين ألف نبي وسعيهما يعدل سبعين رقبة" ﴿فمن حج البيت أو اعتمر﴾ الحج في اللغة القصد والعمرة الزيارة وفي الحج والعمرة المشروعين قصد وزيارة ﴿فلا جناح عليه﴾ أي : لا إثم عليه وأصله من جنح أي : مال عن القصد والخير من الشر ﴿أن يطوف بهما﴾ أي : في أن يطوف بهما ويدور فأزال عنهم الجناح لأنهم توهموا أن يكون في ذلك جناح عليهم لأجل فعل الجاهلية وهو لا ينافي كون هذا الطواف واجبا كما عند الحنفية لأن قولنا لا إثم في فعل أمر كذا يصح إطلاقه على الواجب وأصل يطوف يتطوف وفي إيراد التفعل إيذان بأن من حق الطائف أن يتكلف في الطواف ويبذل فيه جهده ﴿ومن تطوع خيرا﴾ أصل التطوع الفعل طوعا لا كرها كأنه قيل : من فعل أو أتى ما يتقرب به طائعا فنصب خيرا بتضمين تطوع فعلا يتعدى بنفسه أو التطوع بمعنى التبرع من قولهم طاع يطوع أي : تبرع فكأنه قيل من تبرع بما لم يفرض عليه من القربات مطلقا فانتصاب خيرا حينئذ على إسقاط حرف الجر أي : من تطوع تطوعا بخير ﴿فإن الله شاكر﴾ له أي : مجاز بعمله فإن الشاكر في وصف الله تعالى بمعنى المجازي على الطاعة بالإثابة عليها.
قال ابن التمجيد في "حواشيه" : الشكر من الله بمعنى الرضى عن العبد والإثابة لازم الرضى والرضى ملزوم الشكر فالشكر مجاز في معنى الرضى ثم التجوز منه إلى معنى الإثابة مجاز في المرتبة الثانية ﴿عليم﴾ بطاعة المتطوع ونيته فيها.
وفي الآية حث على نوافل الطاعات كما على فرائضها فمن أتى بنافلة واحدة فإن الله شاكر عليم فكيف بأكثر منها فبالصوم تحصيل قهر النفس وبالزكاة تزكيها وبالصلاة المعراج الروحاني وبالحج الوصول.
وعن سفيان الثوري قال : حججت سنة ومن رأيي أن انصرف من عرفات ولا أحج بعد هذا فنظرت في القوم فإذا أنا بشيخ متكىء على عصا وهو ينظر إلي مليا فقلت السلام عليك يا شيخ قال : وعليك يا سفيان ارجع عما نويت فقلت : سبحان الله من أين تعلم نيتي قال : ألهمني ربي فوالله لقد حججت خمسا وثلاثين حجة وكنت واقفا بعرفات ههنا في الحجة الخامسة والثلاثين انظر إلى هذه الرحمة وأتفكر في أمري وأمرهم أن الله هل يقبل حجهم وحجي فبقيت متفكرا حتى غربت الشمس وأفاض الناس من عرفات إلى مزدلفة ولم يبق معي أحد وجن الليل ونمت تلك الليلة فرأيت في النوم كأن القيامة قد قامت وحشر الناس وتطايرت الكتب ونصبت الموازين والصراط وفتحت أبواب الجنان والنيران فسمعت النار تنادي وتقول : اللهم وق الحجاج حري وبردي فنوديت يا نار سلي غيرهم فإنهم ذاقوا عطش البادية وحر عرفات ووقوا عطش القيامة ورزقوا الشفاعة فإنهم طلبوا رضاي بأنفسهم وأموالهم قال الشيخ : فانتبهت وصليت ركعتين ثم نمت ورأيت كذلك فقلت في نومي هذا من الرحمن أو من الشيطان فقيل لي بل من الله مد يمينك فمددت فإذا على كفي مكتوب من وقف بعرفة وزار البيت شفعته في سبعين من أهل بيته قال سفيان وأراني المكتوب حتى قرأته ثم قال الشيخ : فلم تمر علي منذ حينئذ سنة إلا وأنا حججت حتى تم لي ثلاث وسبعون حجة كذا في "زهرة الرياض".
قال في "الأشباه والنظائر" بناء الرباط بحيث
263
جزء : 1 رقم الصفحة : 262
ينتفع به المسلمون أفضل من الحجة الثانية والحج تطوعا أفضل من الصدقة النافلة وحج الفرض أولى من طاعة الوالدين بخلاف النفل وحج الغني أفضل من حج الفقير لأن الفقير يؤدي الفرض من مكة وهو متطوع في ذهابه وفضيلة الفرض أفضل من فضيلة التطوع ، فعلى العاقل أن يقصد بيت الله ويزوره فإن لم يساعده المال فلتساعده الهمة والحال فإن المعتبر هو توجه القلب إلى جانب الغيب لا مجرد توجه القالب.
قال في "المثنوي" :
ميل تو سوى مغيلانست وريك
تا ه كل يني زخار مرده ويك