تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن كلام لا يليق.

ومنها أنها تسلي قلب المصاب وتقلل حزنه.

ومنها أنها تقطع طمع الشيطان في أن يوافقه في كلام لا يليق.

ومنها أنه إذا سمعه غيره اقتدى به.

ومنها أنه إذا قال ذلك بلسانه يتذكر بقلبه الاعتقاد الحسن والتسليم لقضاء الله وقدره فإن المصاب يدهش عند المصيبة فيحتاج إلى ما يذكر له التسليم المذكور وفي الحديث "ما من مصيبة تصيب عبدا فيقول : إناوإنا إليه راجعون اللهم أجرني من مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها".

قال سعيد بن جبير : ما أعطى أحد في المصيبة ما أعطى هذه الأمة يعني الاسترجاع ولو أعطيه أحد لأعطى يعقوب ألا تسمع إلى قوله في قصة فقد يوسف يا اأسفى على يوسف} (يوسف : 84) وليس الصبر هو الاسترجاع باللسان بل بالقلب بأن يتصور ما خلق لأجله وهو الانقيادتعالى في جميع ما كلفه به من التكاليف والتسليم لقضاء الله وقدره في جميع ما أخذه وأعطاه فإن من اختصتعالى ملكا وملكا كيف ينازعه في ملكه ولا يرضى بقضائه وملاحظة أن ما في عالم الملك كلهتعالى يذكر نعم الله وتذكرها يستلزم العلم بأن ما أبقى عليه أضعاف ما استرده منه والمبشر به محذوف دل عليه قوله تعالى :

جزء : 1 رقم الصفحة : 260

﴿أوالائك﴾ أي : الصابرون الموصوفون بما ذكر ﴿عليهم صلوات﴾ كائنة ﴿من ربهم ورحمة﴾ أي : رحمة ووجه الجمع في الصلوات الدلالة على الكثرة والتكرير واستغنى بتنكير التعظيم في رحمة عن إيرادها بلفظ الجمع ويندرج في رحمته تعالى إيصال المسار ودفع المضار في الدنيا والآخرة وجمع بين الصلاة والرحمة للإيذان بأن رحمته غير منقطعة فالمعنى عليهم فنون الرحمة المتوالية الفائضة من مالك أمورهم ومبلغهم إلى كمالاتهم اللائقة بهم.

قال بعضهم : الصلاة من الله المدح والثناء والتعظيم والرحمة اللطف والإحسان فلا تكرار ﴿وأوالائك هم المهتدون﴾ المختصون بالاهتداء لكل حق وصواب ولذلك استرجعوا واستسلموا لقضاء الله تعالى.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أقول في شيء قضاه الله ليته لم يكن.

وقال علي رضي الله عنه : من ضرب بيده على فخذه عند مصيبة فقد حبط أجره أي : بطل ثوابه.

قيل المكاره التي تصيب الإنسان إذا أصابته من قبل الله تعالى يجب الصبر عليها لأن ما جاء من جهة العدل الحكيم ليس إلا مقتضى عدله وحكمته فيجب عليه أن يرضى لعلمه بأنه تعالى لا يقضي إلا بالحق وإن أصابته من جهة الظلمة فلا يجب عليه أن يصبر عليها بل جاز له أن يمانعه بل يحاربه وإن قتل بمحاربته يكون شهيدا.

واعلم أن البلاء سبب للتصفية كما قال عليه السلام : "ما أوذي نبي مثل ما أوذيت" أي : ما صفي نبي مثل ما صفيت والوفاء والجفاء سيان عند العشاق كما قال :

صائب شكايت از ستم يار ون كند

هرجاكه عشوه هست وفا وجفا يكيست

قال الحسن رضي الله عنه : سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "يا بني عليك بالقنوع تكن من أغنى الناس وأداء الفرائض تكن من أعبد الناس يا بني إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة فلا ينشر لهم ديوان ولا ينصب لهم ميزان يصب عليهم الأجر صبا ثم قرأ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" ولو لم يكن في الصبر إلا حكاية الطير الذي في عهد سليمان عليه السلام لكفى.

وذلك أن طيرا في عهد سليمان عليه السلام

261

كان له صوت حسن وصورة حسنة اشتراه رجل بألف درهم وجاءه طير آخر فصاح صيحة فوق قفصه وطار فسكت الطير وشكا الرجل إلى سليمان عليه السلام فقال : أحضروه فلما أحضروه قال سليمان عليه السلام لصاحبك عليك حق حتى اشتراك بثمن غال فلم سكت؟ فقال : يا نبي الله قل له حتى يرفع قلبه عني إني لا أصيح أبدا ما دمت في القفص قال : لم؟ قال : لأن صياحي كان من الجزع إلى الوطن والأولاد وقال لي ذلك الطير إنما حبسك لأجل صوتك فاسكت حتى تنجو فقال سليمان عليه السلام للرجل ما قال الطير؟ فقال الرجل : أرسله يا نبي الله فإني كنت أحبسه لصوته فأعطاه سليمان عليه السلام ألف درهم ثم أرسل الطير ثم طار وصاح سبحان من صورني وفي الهواء طيرني ثم في القفص صبرني ثم قال سليمان عليه السلام : إن الطير ما دام في الجزع لم يفرج عنه فلما صبر فرج عنه ومثل هذا في الحقيقة إشارة إلى الفناء عن أوصاف النفس فإن المرء ما لم يمت باختياره قبل اضطراره لا يصل إلى الحياة الحقيقية.

قال في "المثنوي" :

جزء : 1 رقم الصفحة : 261

دانه باشي مرغكانت برنند

غنجه باشي كود كانت بركنندهركه كرد أو حسن خودرا درمزاد

صد قضاي بد سوى أورونهاد

تن قفس شكلست وتن شد خارجان

در فريب داخلان وخارجان قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده أفندي قدس سره : لا بد من نفي الأنية واضمحلال الوجود في بحر الوجود الحقيقي حتى يتم المقصود ويحصل.

قال الصائب :

ترك هستي كن كه اسودست از تاراج سيل

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢١٠