تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اختلفت الصحابة في مسألة على قولين، وانقرضَ العصرُ عليه، فإنه لا يجوزُ للتابعين إحداثُ قول ثالثٍ، لأنَّ اختلافهم على قولين إجماعٌ على إبطال كلِّ قولٍ سواهما، كما أنَّ إجماعهم على قول: إجماعٌ على إبطال كلِّ قولٍ سواهُ. فكما لم يَجُز إحداث قول ثانٍ فيما أجمعوا فيه على قولٍ، لم يَجُز إحداثُ قولٍ ثالثٍ فيما أجمعوا فيه على قولين) (1).

5 - أنه لو كان الْمُلزِمُ بالتقنين عارفاً بمذاهب العلماء لم يكن له أنْ يُلزِمَ القضاة باجتهاده، ولو قال: يجبُ عليكم أن تحكموا به وأنَّ أيَّ حُكمٍ خالف اجتهادي كان باطلاً، لَكَان قولُه مردوداً عليه، قال الإمام ابن تيمية ~ في عدم جواز إلزام المفتي غيره بمذهبه، والمفتي كالقاضي: (أنهُ لو كانَ أحدُهُم عارفاً بمذهبهِ لم يَكُن لَهُ أنْ يُلْزِمَ عُلَمَاءَ المسلمينَ بمذهبهِ، ولا يَقُولَ: يَجبُ عليكُم أنكُم تُفتُونَ بمذهبيِّ، وأنهُ أيُّ مَذهَبٍ خَالَفَ مذهبي كان باطلاً مِن غيرِ استدلالٍ على مَذهبهِ بالكتابِ والسُّنةِ، ولو قالَ: مَن خالَفَ مَذهبي فقَولُهُ مَردُودٌ، ويَجبُ مَنعُ الْمُفتي بهِ وحَبْسُهُ لَكَانَ مَرْدُوداً عليهِ، وكَانَ مُستَحقَّاً العُقُوبَةَ على ذلكَ بالإجماعِ) (2).

6 - قال الإمام ابن تيمية ~: (أنَّ الحاكمَ لو ظَنَّ الإجماعَ فيما ليسَ فيهِ إجماعٌ، وألْزَمَ النَّاسَ بذلكَ القولِ لظنِّهِ أنهُ مُجمعٌ عليهِ، ولم يَستدِلَّ على ذلكَ بكتابِ أو سُنَّةٍ، وكانَ فيهِ نزاعٌ لم يَعْلَمْهُ لَكَانَ مُخطئاً في إلْزَامِ النَّاسِ بذلكَ بالإجماعِ؛ إلاَّ أنْ يَدُلَّ عليهِ كتابٌ أو سُنَّةٌ) (3)، وهذا في إلزام الناس بمسألة يظنُّها الْمُلزِمُ إجماعيَّة وليست كذلك، فكيف بالإلزام بمسائل دون ذلك بكثير؟.

(1) كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ت 463 (بابُ القول في أنه يجب اتباع ما سنَّه أئمةُ السلف من الإجماع والخلاف، وأنه لا يجوزُ الخروج عنه) 1/ 435. تحقيق: عادل العزازي. دار ابن الجوزي ط 3 عام 1426.

(2) مجموع الفتاوى 27/ 300.

(3) المصدر السابق 27/ 301 - 302.

حكم تقنين الشريعة الإسلامية · الصفحة ٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حكم تقنين الشريعة الإسلاميةص ٣٤