تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يجعل الله تطير العبد , وتشاؤمه سبباً لحلول المكروه به عقوبة له.

6. أن معنى الحديث إخباره - عن الأسباب المثيرة للطيرة الكامنة في الغرائز. يعني: أن المثير للطيرة في غرائز الناس هي هذه الثلاثة , فأخبرنا بهذا لنأخذ الحذر منها. فالحوادث والمصائب التي تكثر وتتوالى عندها , تدعو الناس إلى التشاؤم بها.

ونصر هذا القول ابن حجر , ونقله عن ابن العربي , وقال: والمراد من ذلك: حسم المادة , وسد الذريعة لئلا يوافق شيء من ذلك القدر فيعتقد من وقع له أن ذلك من العدوى , أو الطيرة.

7. أن هذه الثلاثة أشياء يُقدر الله بها اليُمن , والشؤم , والنفع , والضر , فمن ابتلي بشؤم شيء منها , فوجد في نفسه الكراهة لذلك أُبيح له تركه , ومفارقته , وليس المراد ما يعتقده أهل الجاهلية من أنها مؤثرة بطبعها.

وهذا اختيار ابن القيم , وابن رجب , ولعله أقرب الأقوال للصواب , وبعض الأقوال المذكورة لا تعارضه , بل تدخل فيه.

من ذلك نستطيع القول أن الشؤم موجود في بعض الأشياء , لكن التشاؤم بهذه الأشياء ابتداء هو الممنوع، فالواجب على المسلم أن يعتقد أن كل شيء من الله تعالى، ولا مانع من أن يبتعد عن الأعيان المشؤمة حقاً , إذا ظهر له ذلك , لا ما يتوهمه ويوسوس له الشيطان به، لأن الاسترسال في ذلك يفتح له أبواباً من الشيطان , تُفسد عليه دينه , وحياته.

وقد جاء في حديث أنس رضي الله عنه: قال رجل: يارسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا , وكثير فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى , فقلَّ فيها عددنا , وقلَّت فيها أموالنا، فقال رسول الله -: ذروها ذميمة. رواه أبو داوود , وقال الألباني: إسناده حسن.

ولعل تخصيص هذه الثلاثة بالذكر , مع أن كل الأمور قد قدر الله بها اليمن , والشؤم , لأن أكثر الناس لا يستغني عنها , ولأن ملازمة الإنسان لها أكثر من غيرها , فربما حصل له تضجر منها , والله أعلم.

قال في تيسير العزيز الحميد: ولكن يبقى على هذا أن يقال: هذا جارٍ في كل مشؤوم , فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟ وجوابه: أن أكثر ما يقع التطير في هذه الثلاثة , فخصت بالذكر.

وللإمام ابن القيم رحمه الله كلام نفيس حول هذا الحديث إذ يقول: فإخباره - بالشؤم أنه يكون في هذه الثلاثة، ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق منها أعياناً مشؤمة على من قاربها , وسكنها , وأعياناً مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم , ولا شر.

وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولداً مباركاً يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولداً مشؤماً نذلاً يريان الشر على وجهه , وكذلك ما يُعطاه العبد من ولاية , أو غيرها، فكذلك الدار , والمرأة , والفرس، والله سبحانه خالق الخير والشر , والسعود والنحوس، فيخلق بعض هذه الأعيان سعوداً مباركة , ويقضي بسعادة من قارنها، وحصول اليمن له والبركة، ويخلق بعض ذلك نحوساً ينتحس بها من قارنها، وكل ذلك بقضائه وقدره , كما خلق سائر الأسباب , وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة، فكما خلق المسك وغيره من حامل الأرواح الطيبة , ولذذ بها من قارنها من الناس , وخلق ضدها وجعلها سبباً لإيذاء من قارنها من الناس , والفرق بين هذين النوعين يدرك بالحس , فكذلك في الديار , والنساء , والخيل، فهذا لون والطيرة الشركية لون آخر أ. هـ

وقال ابن رجب في لطائف المعارف: والتحقيق أن يقال في إثبات الشؤم في هذه الثلاثة ... إن هذه الثلاثة أسباب يقدر الله بها الشؤم , واليمن , ويقرنه بها، ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة , أو أمة , أو دابة أن يسأل الله تعالى من خيرها , وخير ما جبلت عليه , ويستعيذ به من شرها , وشر ما جبلت عليه , كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - خرجه أبو

الوجيز في شرح كتاب التوحيد · الصفحة ٢٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوجيز في شرح كتاب التوحيدص ٢٠٥