الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ فَجَلَسَ غَضْبَانًا ثُمَّ قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ إذَا سُئِلَ الرَّجُلُ عَنْ مَا لَا يَعْلَمُ، قَالَ: اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ، وَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - : ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾ [ص: 86]، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ إنَّ قُرَيْشًا اسْتَعْصَتْ وَنَفَرَتْ فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقِيلَ لَهُ ﴿ ارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ عَضَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ وَحَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجَهْدِ فَقَالُوا: ﴿ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾ [الدخان: 12] ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ إنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾ [الدخان: 15] فَكُشِفَ عَنْهُمْ فَعَادُوا فِي كُفْرِهِمْ: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ ﴾ [الدخان: 16]، فَعَادُوا فِي كُفْرِهِمْ فَأَخَذَهُمُ اللهُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَلَوْ كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يُكْشَفْ عَنْهُمْ "
وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ , غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: فَدَخَلَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: " اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ "
فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الدُّخَانَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ , وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي قَدْ مَضَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: " خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخَانُ ، وَالْقَمَرُ، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ الْكُبْرَى وَاللِّزَامُ " وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ: ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ [الفرقان: 77] .
فَقَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ تَقْبَلُونَ هَذَا وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا قَدْ ذَكَرْتُمُوهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ مِنْ مَا يُوجِبُ أَنَّ الدُّخَانَ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وَأَنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟، وَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ مَا يُحَقِّقُ ذَلِكَ،فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَوِ الْقِيَامَةَ " وَلَمْ يَذْكُرْ لَنَا فِي الْحَدِيثِ غَيْرَ هَذَا فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ الدُّخَانَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ غَيْرُ الدُّخَانِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثَيِ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ﴾ [الدخان: 9]، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾ [الدخان: 10] أَيْ عُقُوبَةٍ لَهُمْ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّكِّ وَاللَّعِبِ، وَمُحَالٌ أَنْ تَكُونَ هَاتَانِ الْعُقُوبَتَانِ لِغَيْرِهِمْ، أَوْ يُؤْتَى بِهِمَا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا وَسَلَامَتِهِمْ مِنْ ذَلِكَ الدُّخَانِ . فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: قَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾ [الدخان: 10] وَالَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي حَدِيثِهِ لَيْسَ هُوَ دُخَانًا حَقِيقِيًّا، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَتَوَهَّمُهُ أَنَّهُ دُخَانٌ وَلَيْسَ بِدُخَانٍ، وَفِيهَا أَنَّ إتْيَانَهُ يَكُونُ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ مِنَ الْجُوعِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ وَأَصَابَهُمْ فِي الْأَرْضِ أَنَّ