تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبحث السادس

مراتب القدر

للقدر أربع مراتب دلت عليها النصوص وقررها أهل العلم . وهي :

المرتبة الأولى : علم الله بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات وإحاطته بذلك علمًا.

فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون . وقد دل على ذلك قوله تعالى : ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ (الطلاق : 12) .

وفي الصحيحين عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عَنْ أَوْلاَدِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ « اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ».. (1)

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ سُئِلَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَوْلاَدِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ « اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ » . (2)

وعَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ يُولَدُ يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ كَمَا تَنْتِجُونَ الإِبِلَ فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيرًا قَالَ « اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ». (3)

المرتبة الثانية : كتابة الله تعالى لكل شيء مما هو كائن إلى قيام الساعة .

(1) - صحيح البخارى- المكنز - (1384) وصحيح مسلم- المكنز - (6933 ) واللفظ له

(2) - صحيح البخارى- المكنز - (6597 ) وصحيح مسلم- المكنز - (6936)

(3) - صحيح مسلم- المكنز - (6931 )

أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدّ بِهِ مِنْ عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا . وَتَوَقَّفَ فِيهِ بَعْض مَنْ لَا يُعْتَدّ بِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَة هَذَا ، وَأَجَابَ الْعُلَمَاء بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ نَهَاهَا عَنْ الْمُسَارَعَة إِلَى الْقَطْع مِنْ غَيْر أَنْ يَكُون عِنْدهَا دَلِيل قَاطِع ، كَمَا أَنْكَرَ عَلَى سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص فِي قَوْله : أَعْطِهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا ، قَالَ : أَوْ مُسْلِمًا الْحَدِيث . وَيَحْتَمِل أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ هَذَا قَبْل أَنْ يَعْلَم أَنَّ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة ، فَلَمَّا عَلِمَ قَالَ ذَلِكَ فِي قَوْله - صلى الله عليه وسلم - : ( مَا مِنْ مُسْلِم يَمُوت لَهُ ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْث إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة بِفَضْلِ رَحْمَته إِيَّاهُمْ ) وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث . وَاَللَّه أَعْلَم .

وَأَمَّا أَطْفَال الْمُشْرِكِينَ فَفِيهِمْ ثَلَاثَة مَذَاهِب . قَالَ الْأَكْثَرُونَ : هُمْ فِي النَّار تَبَعًا لِآبَائِهِمْ . وَتَوَقَّفَتْ طَائِفَة فِيهِمْ . وَالثَّالِث ، وَهُوَ الصَّحِيح الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْجَنَّة ، وَيُسْتَدَلّ لَهُ بِأَشْيَاء مِنْهَا حَدِيث إِبْرَاهِيم الْخَلِيل - صلى الله عليه وسلم - حِين رَآهُ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْجَنَّة ، وَحَوْله أَوْلَاد النَّاس قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه ، وَأَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ : " وَأَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه . وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى : ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَث رَسُولًا ﴾ وَلَا يَتَوَجَّه عَلَى الْمَوْلُود التَّكْلِيف وَيَلْزَمهُ قَوْل الرَّسُول حَتَّى يَبْلُغ ، وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .شرح النووي على مسلم - (9 / 9)

الواضح في أركان الإيمان · الصفحة ٣٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الواضح في أركان الإيمانص ٣٥٦