المبحث الثاني عشر
الإسراء بالرسول - صلى الله عليه وسلم - حقيقته وأدلته
تعريف الإسراء لغة وشرعا :
الإسراء في اللغة : من السرى وهو : سير الليل أو عامته . وقيل : سير الليل كله .
ويقال : سريت ، وأسريت . ومنه قول حسان :
أسرت إليك ولم تكن تسري ...
والإسراء إذا أطلق في الشرع يراد به : الإسراء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسجد الحرام بمكة إلى بيت المقدس بإيليا ورجوعه من ليلته .
حقيقة الإسراء وأدلته :
والإسراء آية عظيمة أيَّد الله بها النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة حيث أسري به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى راكبا على البراق بصحبة جبريل عليه السلام حتى وصل بيت المقدس ، فربط البراق بحلقة باب المسجد ، ثم دخل المسجد وصلى فيه بالأنبياء إماما ، ثم جاءه جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاختار اللبن على الخمر فقال له جبريل : هديت للفطرة . وقد دلَّ على الإسراء الكتاب والسنَّة .
قال تعالى : ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ (الإسراء : 1) .
يُمَجِّدُ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ الكَرِيمَةُ ، وَيُنَزِهُهَا عَنْ شِرْكِ مَنْ أَشْرَكَ ، وَيُعَظِّمُ شَأْنَهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، فَقَدْ أَسْرَى بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لَيْلاً مِنْ مَكَّةَ ( المَسْجِدِ الحَرَامِ ) ، إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ ( المَسْجِدِ الأَقْصَى ) ، وَهُوَ المَسْجِدُ الذِي بَارَكَ اللهُ مَا حَوْلَهُ ، مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ وَنَبَاتٍ . . لِيُرِيَ عَبْدَهُ مُحَمَّداً ، مِنْ آيَاتِهِ العِظَامِ ، مَا فِيهِ الدَّلِيلُ القَاطِعُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ ، وَهُوَ السَّمِيعُ لأَقْوَالِ العِبَادِ ، البَصِيرُ بِأَحْوَالِهِمْ .
وَمَنْ آمَنَ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى التِي لاَ حُدُودَ لَهَا ، لاَ يَسْتَعْظِمُ أَنْ يُسْرِيَ اللهُ بِرَسُولِهِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى بِجَسَدِهِ ، لأنَّ الإِسْرَاءَ بِالنَّبِيِّ بِجَسَدِهِ هُوَ أَمَامَ قُدْرَةِ اللهِ فِي مِثْلِ السُّهُولَةِ التِي يُسْرَى بِهِ بِرُوحِهِ ، وَلِذَلِكَ فَلاَ يَسْتَغْرِبْ مُؤْمِنٌ بِاللهِ وُقُوعَ هَذا الحَادِثِ ) .
وَقَدْ جَاءَ فِي كُتُبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَبُوءَتَانِ لِنَبِيَّيْنِ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ تُشِيرَ أُولاَهُمَا إِلَى أَنَّ سَيِّدَ الرُّسُلِ أُوْ رَسُولَ اللهِ سَيَزُورُ بَيْتَ المَقْدِسِ فَجْأَةً . وَتَقُولُ الأٌخْرَى إِنَّهُ سَيُعْرَجُ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ لِيَمْثُلَ فِي حَضْرَةْ الرَّبِّ