وقد صح عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ." (1)
وهذه الصلاة مما يتمتعون بها كما يتنعم أهل الجنة بالتسبيح .
وهم في قبورهم صلوات الله وسلامه عليهم إلا عيسى عليه السلام ، فإن الله رفعه إلى السماء ؛ كما قال تعالى : ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً - بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) النساء / 157-158 ) (2)
وعلى أنه ينبغي أن يقرر هنا أن الله تعالى كما أكرم رسله برفع أرواحهم إلى السماء فهي تنعم على ما شاء الله فإنه حفظ أجسادهم في الأرض ، وحرم على الأرض أن تأكل أجسادهم على ما ثبت ذلك عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : « أَفْضَلُ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ، وَفِيهِ قُبِضَ ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ فَأَكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَىَّ ». قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاَتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ يَقُولُونَ قَدْ بَلِيتَ قَالَ :« إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ ». وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَرَّةً :« إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ».. (3)
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ :" إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّاحِينَ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلامَ قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُحَدِّثُونَ وَنُحَدِّثُ لَكُمْ ، وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ ، فَمَا رَأَيْتُ مِنَ خَيْرٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ ، وَمَا رَأَيْتُ مِنَ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ". (4)
(1) - الفوائد لتمام 414 - (1 / 33) (58) ومسند البزار كاملا - (2 / 318) (6888) ومسند أبي يعلى الموصلي (3425) والصحيحة (621) و صحيح الجامع (2790) صحيح
(2) - انظر فتاوى الإسلام سؤال وجواب - (1 / 2745) -سؤال رقم 26117- حياة الأنبياء -هل الرسل أحياء أم أموات ؟
(3) - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز - (3 / 248) (6206) سنن أبي داود - المكنز - (1049 ) صحيح -أَرَمَ : بلى =أرمت : بليت
(4) - مسند البزار 1-14 - (ج 2 / ص 458) برقم(1925) والإتحاف 9/176 و177 ومطالب (3853) وإتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة - (ج 7 / ص 30) برقم(6412) وهو حديث حسن
وقد حاول الشيخ ناصر رحمه الله في السلسلة الضعيفة - (ج 2 / ص 474) برقم(975) وتبعه في الفتاوى الحديثية للحويني - (ج 2 / ص 16) تضعيف هذا الحديث بحجة أنه روي عن غير عبد العزيز بن أبى رواد المكى دون الزيادة فاعتبرها شاذة أو منكرة .
قلت : وفي طرح التثريب - (ج 4 / ص 308) و(3/297) وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ ، وقال السيوطي في «الخصائص» (2/491) صحيحٌ إسناده .
والصواب أنه حسن على الأقل لأمور :
الأول- أن الأكثر على توثيق عبد العزيز بن أبى رواد المكى ، انظر تهذيب الكمال [ج 18 - ص 136 ] برقم(3447 )
الثاني - هنا عندنا حديثان بسند واحد ليس إلا ، فلا علاقة له بزيادة الثقات ، إذ زيادة الثقات تكون عادة في الحديث نفسه زيادة ونقصاً ، وليس في حديثين مختلفين لفظاً ومعنى .
الثالث- أنه لم ينصَّ عالم من علماء الجرح والتعديل على تضعيف هذه الرواية ، فدلَّ على قبولها عندهم ، بل نصوا على تقويتها.
الرابع - هناك حديث مرسل روي عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - :" حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُحَدِّثُونَ وَيُحَدَّثُ لَكُمْ وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ فَمَا كَانَ مِنْ حَسَنٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ مِنْ سَيِّئٍ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ " أخرجه في بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث - (ج 2 / ص 884) برقم(953) وفي فضل الصلاة على النبي لإسماعيل بن إسحاق - (ج 1 / ص 25) برقم (24و25) من طرق عنه وهو صحيح مرسل مما يقوي بيقين حديث عبد المجيد ويردُّ الوهم عنه .
وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 14 / ص 279) وعمدة القاري شرح صحيح البخاري - (ج 21 / ص 160و162 ) وتحفة الأحوذي - (ج 7 / ص 345) وَأَخْرَجَ اِبْن الْمُبَارَك فِي الزُّهْد مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ " لَيْسَ مِنْ يَوْم إِلَّا يُعْرَض عَلَى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أُمَّته غَدْوَة وَعَشِيَّة فَيَعْرِفهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَأَعْمَالهمْ . فَلِذَلِكَ يَشْهَد عَلَيْهِمْ " وسكتوا عليه .
ويقويه أيضاً أحاديث رد روحه إليه - صلى الله عليه وسلم - للرد على من سلم عليه