تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس كذلك إيمان المؤمنين من أهل الكتاب .. إنه إيمان مرهق معقّد ، مركّب على قضايا من المقولات الفلسفية والمنطقية ، المبنية على معطيات مما وراء الطبيعة ، التي تدور بها رءوس العامة ، وتضطرب لها عقول العلماء .. فإذا آمن مؤمنهم باللّه كان بينه وبين اللّه حجب كثيفة من هذه المقولات ، التي لا يستطيع أن يرى اللّه من خلالها إلّا محاطا بضباب كثير من الشك والارتياب!!

فإيمانُ المسلمين باللّه ، إيمان .. وإيمان أهل الكتاب باللّه إيمان .. وبين الإيمانين بعدٌ بعيدٌ ، وبون شاسع .. ومن هنا كان ذكر إيمان المسلمين فى هذا المقام تنويها بهذا الإيمان ، وعزلا له عن إيمان المؤمنين من أهل الكتاب ،ذلك الإيمان المشوب غير الخالص من العلل والآفات ، ولهذا جاء قوله تعالى : « وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ » جاء بعد « قوله تعالى : وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ » داعيا أهل الكتاب أن يؤمنوا إيمانا مصححا مجددا ، كإيمان المسلمين .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : « فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ ».

وقد كشف القرآن الكريم عن حقيقة الإيمان الذي عليه أهل الكتاب .. فقال تعالى : « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ » (13 : البقرة) أي أنهم إذا دعوا إلى الإيمان باللّه إيمانا بعيدا عن المماحكات والسفسطات ، وعن الألغاز والطلاسم ، التي تعمّي على الناس السبيل إلى الطريق المستقيم ـ إذا دعوا أن آمنوا كما آمن الناس ، إيمانا سمحا سهلا واضحا ـ أبوا وقالوا أنؤمن كما آمن السفهاء من الجهلة والعامّة ؟

وقالوا فى أنفسهم : كيف يهتدي أحد إلى اللّه من هذا الطريق القريب ؟

إنّ اللّه بعبد بعيد ، متستر فى حجب جلاله وبهائه ، فلا تناله الأبصار ، ولا تدركه العقول ، وإنه لا بد ـ والأمر كذلك ـ من دراسات وفلسفات ، وبحوث مضنية مرهقة ، حتى يمسك الدارسون ، والفلاسفة والباحثون بأذيال هذه الحقيقة الكبرى!

هكذا زيّن لهم سوء عملهم فرأوه حسنا.

وقال تعالى أيضا مشيرا إلى أهل الكتاب وإلى إيمانهم : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ » (8 : البقرة) إنه إيمان مشوب بالشك ، ومختلط بالضلال .. فلا يعدّ ، ولا يحسب فى الإيمان الصحيح بحال أبدا. " (1)

إن التعبير بكلمة «أُخْرِجَتْ» المبني لغير الفاعل ، تعبير يلفت النظر. وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة ، تخرج هذه الأمة إخراجا وتدفعها إلى الظهور دفعا من ظلمات الغيب ، ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا اللّه .. إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى ، لطيفة الدبيب.

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 547)

الواضح في أركان الإيمان · الصفحة ٢٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الواضح في أركان الإيمانص ٢٧٢