3 - أن الله أيده بأعظم معجزة وأظهر آية وهو القرآن العظيم ، كلام الله المحفوظ من التغيير والتبديل ، الباقي في الأمة إلى أن يأذن الله برفعه إليه . قال تعالى : ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ (الإسراء : 88) . وقال تعالى : ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (العنكبوت : 51) .
وفي الصحيح عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِىٌّ إِلاَّ أُعْطِىَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ أُومِنَ - أَوْ آمَنَ - عَلَيْهِ الْبَشَرُ ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِى أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَىَّ ، فَأَرْجُو أَنِّى أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ » (1) .
4 - أن أمته خير الأمم وأكثر أهل الجنة . قال تعالى : ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ (آل عمران : 110) .
وعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ فِى قَوْلِهِ (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قَالَ « إِنَّكُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ ». (2)
قال الخطيب : " وفى قوله تعالى : « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » وفى التعبير بلفظ الماضي « كنتم » ما يشير إلى أن هذا الحكم الذي حكم به اللّه على هذه الأمة ، بأنها خير أمة أخرجت للناس ـ ليس محدودا بزمن من أزمانها ، ولا مخصوصا بحال من أحوالها .. وإنما هو حكم عام مطلق ، يشمل الأمة الإسلامية كلها ، فى كل أزمانها ، وفى جميع أحوالها ، من عهد النبوة إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها .. إنه حكم للأمة الإسلامية فى ماضيها وحاضرها ، ومستقبلها. وإن تلقته فى أول وجودها ، وفى ساعة مولدها .. « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » !
هذا هو حكم اللّه فيما أحاط به علمه ، وفيما قدّره لكل أمة من أجل ، ومن رزق!.
وفى قوله تعالى : « أُخْرِجَتْ » تنويه آخر بشأن هذه الأمة ، وأنها هى المولود الكامل ، الذي تمخضت عنه الإنسانية كلها .. ولن تلد مثله أبد الدهر!.
وفى قوله سبحانه : « أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » تنويه ثالث بتلك الأمة ، فإنها لم تخرج من الناس ، ولكنها « أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » وكأنها بهذا من معدن غير معدن الناس ، ومن عالم غير عالم الناس ، جاءتهم هكذا من عالم الغيب ، وأخرجت لهم من حيث لا يتوقعون .. من صحراء مجدبة قفر ، ومن مجتمع أمّى غارق فى الجهالة! ، فقادت ركب الإنسانية ، وحررتها من قيود العبودية والظلم.
هذا هو مكاننا ـ أمة الإسلام ـ الذي ندبنا اللّه له ، وأحلّنا فيه ، وأقامنا عليه ..
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (7274 )
(2) - سنن الترمذى- المكنز - (3271 ) صحيح