وَأَطْلَقَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ الْقَوْل بِأَنَّ أَهْل السُّنَّةِ يَقُولُونَ بِتَفْضِيل الأَْنْبِيَاءِ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ ، قَال : عَلَى خِلاَفِ قَوْل الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْل مَعَ أَكْثَرِ الْقَدَرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِتَفْضِيل الْمَلاَئِكَةِ عَلَى الأَْنْبِيَاءِ (1)
4 - اعتقاد تفاضلهم فيما بينهم وأنهم ليسوا في درجة واحدة بل فضل الله بعضهم على بعض . قال تعالى : ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾ (البقَرة : 253) . قال الطبري في تفسير الآية : " يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : تِلْكَ الرُّسُلُ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ قَصَصَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ كَمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَشَمْوِيلَ وَدَاوُدَ ، وَسَائِرِ مَنْ ذَكَرَ نَبَأَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : هَؤُلَاءِ رُسُلِي فَضَّلْتُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَكَلَّمْتُ بَعْضَهُمْ وَالَّذِي كَلَّمْتُهُ مِنْهُمْ مُوسَى - صلى الله عليه وسلم - وَرَفَعْتُ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ عَلَى بَعْضٍ بِالْكَرَامَةِ وَرِفْعَةِ الْمَنْزِلَةِ " (2) .
فإنزال كل واحد منهم منزلته في الفضل والرفعة بحسب دلالات النصوص من جملة حقوقهم على الأمة
قلت : لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الأَْنْبِيَاءَ دَرَجَاتٌ وَأَنَّ بَعْضَهُمْ أَفْضَل مِنْ بَعْضٍ ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ( سورة الإسراء / 55 ) وَقَوْلِهِ : تِلْكَ الرُّسُل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ( سورة البقرة / 253) . وَقَال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : " أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (3)
وَمَنْ كَانَ مِنَ النَّبِيِّينَ رَسُولاً فَهُوَ أَفْضَل مِمَّنْ لَمْ يُرْسَل ، قَال الْقُرْطُبِيُّ : فَإِنَّ مَنْ أُرْسِل فُضِّل عَلَى غَيْرِهِ بِالرِّسَالَةِ وَاسْتَوَوْا فِي النُّبُوَّةِ .
وَأَفْضَل الرُّسُل أُولُو الْعَزْمِ مِنْهُمْ ، وَهَذَا الْقَوْل مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَأَفْضَلُهُمْ عَلَى الإِْطْلاَقِ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - ، ثُمَّ بَعْدَهُ إِبْرَاهِيمُ ، ثُمَّ مُوسَى ، ثُمَّ عِيسَى ، عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ ، عَلَى الْمَشْهُورِ ، قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ . (4)
وَأَمَّا مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَهُمْ ، فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَالِسٌ جَاءَ يَهُودِىٌّ ، فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ضَرَبَ وَجْهِى رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِكَ . فَقَالَ « مَنْ » . قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ . قَالَ « ادْعُوهُ » .فَقَالَ « أَضَرَبْتَهُ » . قَالَ سَمِعْتُهُ بِالسُّوقِ يَحْلِفُ وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ . قُلْتُ أَىْ خَبِيثُ ، عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخَذَتْنِى
(1) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (40 / 51) و الدر المختار وحاشية ابن عابدين 1 / 354 ، والفرق بين الفرق ص 343 ، وتفسير القرطبي 6 / 26 ، وتفسير فتح القدير للشوكاني 1 / 542 والكشاف وبذيله الإنصاف لابن المنير 1 / 460 ، وشرح العقيدة الطحاوية 2 / 741 .
(2) - تفسير الطبري - (5 / 378)
(3) - صحيح البخارى- المكنز - (4712 ) وصحيح مسلم- المكنز - (501) مطولا
(4) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (40 / 49)