تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله: (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون) (لم)، أصلها لما، لأن ما استفهامية دخلت عليها اللام فحذفت الألف لطلب الخفة 120 - هذا خطاب يحمل في مضمونه توبيخا لأهل الكتاب لجحودهم وسوء نواياهم وذلك على نحو من الاستفهام الإنكاري، فأهل الكتاب ينكرون ويجحدون آيات الله وهم على ذلك شهود - والمراد بآيات الله التي وبخهم الله على إنكارها هي الآيات الواردة في التوراة والإنجيل والتي تتضمن جملة أخبار وحقائق منها: البشارة بمحمد صلى الله عليه و سلم، ومنها: أن خليل الله إبراهيم كان حنيفا مسلما - ومنها أن الدين لهو الإسلام.

وقيل: المراد بآيات الله القرآن الكريم نفسه - هذا الكتاب العظيم الحكيم الحافل بالمعاني وظواهر الإعجاز - كل هذه الحقائق الباهرة كان أهل الكتاب يعلمون بها؛ إذ قرأوها في كتبهم واستيقنوها لكنهم أنكروها إنكارا - ولا يحفزهم إلى مثل هذا الإنكار الظالم غير الحقد والحسد - لا جرم أن هذه خسيسة من خسائس الطبع المريض - الطبع الموغل في ظلام الباطل والذي لا يستمرئ غير الرذيلة والفساد، ولا يتمل بذاته الملتوية غير سبيل الشر والعدوان - سبيل الشقاء والشيطان.

71 - (يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)

قوله: (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) تلبسون من اللبس بالضم بمعنى الشبهة والخلط - والتلبيس: التخليط والتدليس نقول: في الأمر ليس أي إشكال، والتبس الأمر أي أشكل 121.

وإلباس الحق بالباطل معناه خلط الحق بالباطل ليختفي الحق نفسه فلا يظهر - وذلك بإلقاء الشبهات من حول الإسلام فيصار به إلى الخفاء والتعمية ليظهر بعد ذلك في صورة من صور الباطل، بما يثير في النفس الريبة والشك ونحو هذا الدين.

قوله: (وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) أي يكتمون نبوة محمد صلى الله عليه و سلم وما ورد من صفات له في التوراة والإنجيل بما يقطع أنه رسول الله إل البشرية كافة، لكنكم - أيها اليهود والنصارى- قد جحدتم كل ذلك وجعلتموه طي الخفاء والكتمان (وأنتم تعلمون) أي أنتم عالمون بما تقارفونه من خلط وتلبيس وافتراء على الإسلام وعلى نبيه عليه الصلاة والسلام - عالمون بأن هذا النبي حق وأن ما جاءكم به من دين لهو الحق - وعالمون أيضا بفداحة فعلتكم النكراء وهي تلبيس الحق وكتمانه.

72 - (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)

قوله تعالى: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون).

جاء في سبب نزول هذه الآية أن اثني عشر حبرا من يهود خيبر قد تواطأوا فيما بينهم لبعث الريبة والشك في أذهان الضعفة من الناس، فقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا به في آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك وظهر لنا كذبه وبطلان دينه - فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم - وقالوا: إنهم أهل كتاب وهم أعلم به منا، فيرجعون عن دينهم إلى دينكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأخبر نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم والمؤمنين 122.

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ٣٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ٣٤٠