واختلفوا فيما يحرمه الظهار - فقد ذهبت الحنفية والمالكية وآخرون إلى أن المظاهر لا يلمس ولا يقبّل ولا ينظر إلى فرجها لشهوة حتى يكفر - وقال مالك: لا ينظر إلى شعرها ولا إلى صدرها حتى يكفّر - وقيل: يأتيها فيما دون الفرج - ولو ظاهر من أربع نسوة في كلمة واحدة كان مظاهرا من كل واحدة منهن وليس له أن يطأ إحداهن حتى يكفر، وتجزئه كفارة واحدة - وعند الإمام الشافعي أنه تلزمه أربع كفارات 3.
قوله: ﴿ما هن أمهاتهم﴾ يعني ما نساؤهم اللاتي يظاهرون منهن بأمهاتهم بل هن زوجاتهم وهن لهم حلال ﴿إن أمهاتهم إلا اللاّئي ولدنهم﴾ يعني ما أمهاتهم إلا اللائي ولدوا منهن أو والدتهم وليس اللائي ظاهروا منهن ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا﴾ منكرا وزورا منصوب على الوصف لمصدر محذوف وتقديره: وإنهم ليقولون قولا منكرا وقولا زورا 4 يعني وإن هؤلاء الرجال المظاهرين ليقولون قولا مستقبحا لا تعرف صحته في الشرع ﴿وزورا﴾ أي كذبا ﴿وإن الله لعفو غفور﴾ الله يصفح عن ذنوب عباده ويستر عليهم سيئاتهم وقد جعل لهم الكفارة سبيلا للتخلص من هذه الخطيئة - وكذلك يعفو الله عما خرج من سبق اللسان ولم يقصد إليه المتكلم كما روى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول لامرأته: يا أختي - فقال: " أختك هي؟ " فهذا إنكار ولكن لم يحرمها عليه بمجرد ذلك، لأنه لم يقصده ولو قصده لحرّمت عليه.
3 - (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
قوله: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا﴾ يعني الذين يقولون لنسائهم: أنتن علينا كظهور أمهاتنا ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ وقد اختلف العلماء في المراد بالعود المذكور في الآية - وثمة أقوال في ذلك.
القول الأول: المراد بالعود هو أن يعود المظاهر إلى لفظ الظهار فيكرره وهو قول أهل الظاهر - وهو غير صحيح، لأن الله وصف الظهار بأنه منكر من القول وزور - فكيف يقال للمظاهر بمعاودة المحرم المحظور نفسه.
القول الثاني: أن يمسك المظاهر زوجته مدة بعد الظهار يكون فيها قادرا على الطلاق، لأنه بإمساكه عن الطلاق يكون قد عاد إلى ما كان عليه قبل الظهار.
القول الثالث: أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه فلا تحل له حتى يكفر بهذه الكفارة - وهو قول أحمد بن حنبل.
القول الرابع: أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه - فإذا ظاهر الرجل من امرأته فقد حرمها تحريما لا يرفعه إلا الكفارة - وهو مذهب الحنيفة، وقال به الليث بن سعد.
قوله الخامس: أن يعزم على الإمساك بعد أن يظاهر منها - وهو قول الإمام مالك - وروي عنه أنه الوطء نفسه فإن لم يطأ لم يكن عودا.
قوله: ﴿فتحرير رقبة﴾ يعني على المظاهر من امرأته أن يعتق رقبة، جزاء تلبسه بالمحظور وهو الظهار - ويشترط في الرقبة أن تكون مسلمة في قول المالكية والشافعية، خلافا للحنيفة إذ لم يشترط إسلام الرقبة في الظهار، فالرقبة في الكفارة تجزي.
قوله: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ والمراد بالتماس الجماع، في قول الجمهور أي يكفّر المظاهر بالعتق قبل أن يجامع زوجته التي ظاهر منها - وبذلك ليس للمظاهر الوطء قبل التكفير - فإن جامع قبل أن يكفّر فقد عصى الله وكان آثما ولا يسقط عنه التكفير بالعتق - وقيل: إذا جامع قبل التكفير لزمته كفارة أخرى - وليس على ذلك دليل.