إذا أديتم مناسك الحج وفرغتم منها فاذكروا الله ثناء عليه؛ لما امتن به عليكم من زاخر الخيرات والعطايا ومن عظيم الآلاء - اذكروا الله في ذلك مثلما تذكرون آباءكم - وروي عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات ويحمل الديات ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله (فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا) ويستفاد من هذه الآية عموم مدلولها وهو أن يزداد اهتمامهم بذكر الله ليفوق أي ذكر آخر كذكر الآباء - وينبغي للمسلم أصلا أن يظل مستديم الذكر لله ليبقى اسم الله وجلاله حاضرا في ذهنه وحسه وتصوره على الدوام.
وما من شك أن المرء يملكه الغضب إذا ما نيل أبوه بشتم أو سباب - فمن الجدير به أن يكون أعظم غضبا وأشد غيرة إذا ما انتهكت حرمة من حرمات الله ليكون المسلم في ذلك أعظم حبا لله.
وقوله: (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق) ذكر عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قوله: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا فأنزل الله هذه الآية.
الدعاء من أجل الدنيا وحدها بما تنطوي عليه من خيرات وثمرات ومباهج لهو أمر فيه دلالة مكشوفة على الاهتمام بالحياة الدنيا وزينتها، مع الذهول والغفلة عن يوم القيامة وما ينتظر الخلائق من أهوال وكروب يوم الفزع الأكبر - وما يسال أحد ربه أن يعطيه الدنيا منفردة إلا ظالم لنفسه خاسر - ولا جرم أن يبوء مثل هذا الجهول بفادح التخسير وسوء المصير.
لذلك قال سبحانه موضحا هذه النتيجة: (وما له في الآخرة من خلاق) أي حظ أو نصيب.
201 - (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
ثم تبين الآية في هذا الصدد أن من خير الدعاء طلب الحسنة في هذه الدنيا وفي يوم القيامة لتقترن السعادتان معا وذلكم هو الخلاق العظيم فقال سبحانه: (ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) وهذه صورة واضحة ملتئمة تكشف عن طبيعة هذا الدين المتكامل المتوازن المتين الذي يجمع بين الدنيا والآخرة، أو يجمع بين الواقع المحس المشهود والمثالية العالية الرفافة، أو يجمع بينا لعادة والروح - وفي ذلك كله من تمام الانسجام الملتئم وكامل الترابط الوثيق ما يجعل الإسلام أكثر العقائد والأديان والفلسفات والنظم ملاءمة للحياة الإنسانية والفطرية والبشرية.
أما الحسنة في الدنيا فإنها تتناول كل خير حلال أباحته الشريعة ورضيه الله للناس؛ كيما يلذّوا ويستمتعوا به، ويدخل في إطار الحسنة في الدنيا الزوجة الحسنة الصالحة، والدار الرحبة الجيدة، والرزق الواسع الحلال، والأخلاء الأبرار الودودون، والعلم الزاخر النافع، والثناء الصادق الحسن، وغير ذلك من وجوه الخير والحُسن.
وقد جاء في السنة ما يبين أهمية هذا الدعاء الكريم الجامع، فقد سئل أنس: أي دعوة كان أكثر ما يدعوها النبي (ص) قال: يقول: " اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ".