وذلك هو الموت؛ فإنه مصير رهيب متربص سيفضي إليه كل كائن مهما طال أجله أو امتد به العمر - إنما الناس كافة، صغيرهم وكبيرهم، عظيمهم وحقيرهم، عالمهم وجاهلهم، مؤمنهم وكافرهم، سعيدهم وشقيهم - صائرون جميعا إلى النهاية المحققة المشتركة وهي الموت.
31 - (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)
قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ يختصم الناس فيما بينهم يوم القيامة أمام لحضرة الإلهية حيث الجلال والكمال والرهبة - وحينئذ يتميز المحق من المبْطل، ويستبين المصلحون من المجرمين والمفسدين - فتحتج أنت يا محمد على قومك بأنك قد بلَّغت فكذَّبوا، واجتهدت في دعوتهم إلى الحق وهم لجّوا في المعاندة، ويعتذرون بما لا يجديهم نفعا - ويقول الأتباع: أطعنا سادتنا وكبراءنا - وتقول السادة والكبراء: أغوتنا الشياطين وآباؤنا الأولون - ثم يفصل بينهم جميعا وهو الفتّاح العليم فينجي الله المؤمنين المتقين ويهلك الكافرين المكذبين.
32 - (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ)
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32)﴾.
ذلك خطاب من الله للمشركين يتوعدهم فيه ويُندِّدُ بهم وبظلمهم، ذلك أنهم تلبسوا بخطيئتين كبريين أولاهما: افتراؤهم على الله الكذب؛ إذ اتخذوا مع الله آلهة أخرى وزعموا أن لله ولدا - والثانية: تكذيبهم بالحق؛ إذ جاءهم على ألسنة النبيين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين - وهو قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ أي لا احد أظلم وأعتى من هذا الذي أضاف إلى الله الولد أو الشريك ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ أي كذَّب بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾ يعني وقت مجيئه فاجأه بالتكذيب من غير روية ولا تدبُّر ولا نظر - بل كذَّب به وقت مجيئه - ثم توعد الله هؤلاء الذين افتروا على الله الكذب والذين كذَّبوا بالصدق وهو الإسلام - بجهنم تكون مثوىً لهم فبئس المقام والقرار - وهو قوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ وهم الذين افتروا على الله الكذب؛ إذ نسبوا له الولد وكذَّبوا بالصدق وهو الإسلام.
33 - (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)
قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ اختلف المفسرون في المراد بالذي جاء بالصدق وصدَّق به، على عدة أقوال، أظهرها وأسدُّها أن الذي جاء بالصدق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم
والذي صدَّق به المسلمون ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ أي الذين اجتنبوا الشرك والمعاصي.
34 - (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ)
قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ذلك بيان من الله عما يسأله هؤلاء الذين ذكرهم الله، وهم الصادقون المصدقون، بأن لهم ما يبتغونه يوم القيامة من النجاة والأمن من الفزع الأكبر وسائر الأهوال يوم القيامة، فضلا عن دخول الجنة.
قوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ الإشارة عائدة إلى ما ذكر من حصولهم على ما يشاءونه - وذلك كله جعله الله جزاء للمؤمنين المتقين الذين أحسنوا أعمالهم لله.