تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ لا يعاجل الله الكافرين بالعقوبة بما فعلوه من كفر وعصيان وبما قالوه من شرك عظيم - فإن ما قالوه من الشرك كاتخاذ الآلهة والأنداد مع الله ونسبة الولد له والصاحبة، كل ذلك تكاد السماوات يتفطرن منه أو تزول من أماكنها بسببه أو تخِرَّ به الجبال انهدادا أو تنشق الأرض انشقاقا، لكن الله بحلمه ومغفرته منعهما من ذلك 45.

42 - (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا)

قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾.

قبل أن يبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، كان قد بَلَغَ المشركين العرب أن أهل الكتاب كذبوا أنبياءهم ولعنوا من كذَّب منهم نبيه وأقسموا بالله أشد الأيمان ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ﴾ أي لئن بعث الله إليهم رسولا مبلِّغا وهاديا ليكونن أكثر إيمانا به وأعظم قبولا لدين الله من سائر الأمم الذين أرسل الله إليهم رسله.

قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا﴾ النفور، معناه الإعراض والصدّ 46 يعني لما جاءهم رسول من عند الله يبلغهم رسالة ربه ويدعوهم إلى توحيد الله وإفراده بالإلهية والتحرر كليّا من أوضار وضلالات الجاهلية، ولّوْا مدبرين معرضين وما زادتهم دعوته إلا بعدا عن الحق ومجانبة لصراط الله القويم ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾.

43 - (اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا)

﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ مفعول له 47 أي لم يزدهم مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم إلا نفورا ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ أي علوا في الأرض وعتوّا عن أمر الله ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ مكر، منصوب على المصدر 48 والمكر ههنا بمعنى الشرك - أي مكروا مكر السيئ وهو الكفر وصد الناس عن الإيمان - وبذلك قد مكروا بالناس بصدهم عن دين الله.

قوله: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ يحيق بمعنى ينزل أو يحيط؛ أي لا تنزل عاقبة الظلم إلا بالظالم نفسه - أو لا ينزل وبال المكر السيئ إلا بالذين يمكرونه - فلا يحل مكروه ذلك المكر إلا بهؤلاء المشركين الماكرين.

ويُفهم من ذلك التنبيه على مجانبة الخداع والمكر والخيانة - فإن هذا الدين قائم على طُهر السريرة من الأرجاس النفيسة كالغل والحسد والغدر والخديعة - فإن هذه خسائس ليست من أخلاق المؤمنين الذين التزموا الإسلام عقيدة ومنهاجا - بل إن تلكم من أخلاق الكافرين والمنافقين والمرائين والماكرين.

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ١٩٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ١٩٥٢