تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أنه من خصائص الإسلام المميزة حرصه على الوقاية قبل العلاج؛ فإن الوقاية لهي الأهم؛ لأنها تحول دون التلبس بالفواحش والمنكرات - وعلى هذا فإن الإسلام؛ إذ يهيمن بعقيدته وتشريعه على أمة، يبادر في تبديد بواعث الفتنة والغواية والفساد من بين الناس - فما من سبب يفضي إلى المعصية أو الفاحشة إلا منعه الإسلام وحرمه تحريما قبل أن تقع المعصية أو الفاحشة نفسها - وفاحشة الزنا لا تقع بغتة إلا عقب أسباب ومقدمات وبواعث تؤول إلى الزنا نفسه - فكان من مسلمات المنطق حظر هذه الأسباب والمقدمات كيلا يقع الزنا نفسه - على أن الأسباب والمؤديات إلى الزنا كثيرة: أولها وأهونها وأيسرها النظر؛ فهو السبب البسيط الأول الذي يطرق المشاعر والأعصاب لتأخذ الشهوة بعد ذلك في التحرك والاضطراب والتململ - ومن هنا جاء الأمر بغض البصر عن المحارم.

على أن النظر إلى النساء، إن كان لغرض لا فتنة فيه فهو جائز ووجوه ذلك كثير، منها: إذا أراد النكاح فله أن ينظر إلى وجه المرأة وكفيها - وذلك للخبر: " إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة " وقال المغيرة بن شعبة: خطبت امرأة فقال عليه السلام: " نظرت إليها؟ " فقلت: لا - قال " فانظر فإنها أحرى أن يؤدم بينكما ".

ومنها: النظر إليها عند تحمل الشهادة - ولا ينظر حينئذ إلى غير الوجه لحصول المعرفة به.

ومنها: نظر الطبيب الأمين إليها من أجل المعالجة كما يجوز للختان أن ينظر إلى فرج المختون.

ومنها: لو وقعت المرأة في غرق أو حرق؛ فله أن ينظر إلى بدنها كي يخلصها.

قوله: (من أبصارهم) من، لتبيين الجنس - والمقصود بها التبعيض وهو قول أكثر أهل العلم - وقيل: زائدة - وهو قول ضعيف 40.

قوله: (ويحفظوا فروجهم) وذلك بصونها من التهتك وسترها لئلا يراها من لا يحل له النظر إليها - والمراد حفظ الفروج عن سائر ما حرم الله، من الزنا والمس والنظر - أما الوطء فهو أغلظ في النهي والتحريم.

قوله: (ذلك أزكى لهم) الإشارة عائدة إلى غض البصر وحفظ الفروج؛ فإن ذلك أطهر للقلوب، وأبعد من التدنس بالآثام أو الوقوع في الريبة.

قوله: (إن الله خبير بما يصنعون) ذلك تهديد من الله ووعيد للذين يقعون في المحظورات، المخالفين عن أمر الله، والمتلبسين فيما نهى عنه من النظر إلى الأجنبيات أو الاعتداء على أعراض المسلمين بمختلف الوجوه المحرمة - فإن الله عليم بذلك كله، خبير بما يصنعون الآثمون والعصاة.

31 - (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ١٦٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ١٦٢١