قوله: (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم) أي تبوأتم منازل المشركين المكذبين الذين كانوا مستقرين مطمئنين من قبلكم - أولئك الجاحدين الخاسرين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك والجحود، كقوم عاد وثمود وأصحاب مدين وغيرهم من المكذبين الذين عتوا عن أمر ربهم وتمادوا في الضلال والطغيان (وتبين لكم كيف فعلنا بهم) تبين فعل، وفاعله مقدر، وتقديره: تبين لكم فعلنا بهم - ولا يجوز أن تكون (كيف) فاعلا للفعل تبين؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله - وكيف هنا منصوبة بقوله: فعلنا 57؛ أي ظهر لكم بالحس ومشاهدة الآثار ما فعلنا بهم من العذاب الشديد في الدنيا عقوبة بما فعلوه من المعاصي والذنوب (وضربنا لكم الأمثال) أي مثلنا لكم ما كان عليه الكافرون من قبلكم من الظلم والمعاصي وما فعلنا بهم من البلاء والعقاب لنبين لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب فتعتبروا وتزدجروا، وليس من معتبر ولا مزدجر.
46 - (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ)
قوله: (وقد مكروا مكرهم) لقد مكر هؤلاء الظالمون الجاحدون مكرهم الفظيع الذي استفرغوا فيه كل ما لديهم من جهود وطاقات وقدرات مالية وثقافية وفنية وإعلامية وسياسية ونفسية وعسكرية وغير ذلك من أساليب الخداع والشر والافتراء والكذب والترويع والإغراء والتضليل- كل ذلك للصد عن سبيل الله وهو دينه وشرعه، ولإشاعة الكفر والضلال والفساد في الأرض ولتدمير الإسلام والمسلمين في العالم كيلا يبقى لمنهج الإسلام سلطان ولا عزة ولا شوكة - ولكي يتبدد المسلمون فينقلبوا إلى أشتات من الجماعات المبعثرة الممزقة المستضعفة؛ وذلك أقصى ما يبتغيه الظالمون والطغاة والمجرمون من غايات في هذا العالم.
قوله: (وعند الله مكرهم) أي مكتوب عند الله مكرهم؛ فهو مجازيهم عليه بمكر أعظم من مكرهم - أو عند الله مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يستحقونه فيأتيهم من حيث لا يحتسبون - قوله: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) يقرأ (لتزول) على قراءتين الأولى: فتح اللام الأولى ورفع اللام الأخرى، فتكون اللام للتأكيد، دخلت للفرق بين إن المخففة وبين إن النافية بمعنى ما، فيكون المعنى: وإنه كان مكرهم لتزولُ منه الجبال - وذلك على سبيل التعظيم والتهويل.
الثانية: كسر اللام الأولى وفتح الأخرى - فتكون اللام لام الجحود، وإن، في الآية بمعنى ما، النافية - فيكون المعنى: وما كان مكرهم لِتزولَ منه الجبال - وذلك على سبيل التصغير والتحقير لمكرهم 58 - و (كان)، ههنا تامة بمعنى وقع - والمراد بالجبال، آيات الله البينات ودينه القويم الحكيم؛ فإنه في رسوخه واستقراره وعظيم شأنه كالجبال الرواسي الشم التي لا تميد ولا تتزعزع 59.
47 - (فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ)
قوله تعالى: ﴿فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار (48)﴾ (مخلف)، مفعول ثان للفعل (تحسبن)، و (رسله) مفعول للمصدر (وعده) والتقدير: مخلف رسله وعده - والمراد بالوعد هنا ما وعد رسله بالنصر والظهور وهو قوله: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا) وقوله: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي).
والله جل وعلا أوفى الأوفياء، فلا يخلف ما وعد، فكيف لا يفي رسله المصطفين ما وعدهم به من النصر وتحقيق الغلبة لهم على الظالمين.