بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ عَلَى قَبْرِ إحْدَى ابْنَتَيْهِ اللَّتَيْنِ كَانَ عُثْمَانُ تَزَوَّجَهُمَا: " لَا يَدْخُلِ الْقَبْرَ أَحَدٌ قَارَفَ أَهْلَهُ اللَّيْلَةَ "
٢٥١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَائِشَةَ التَّيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: مَاتَتْ إحْدَى بَنَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " لَا يَدْخُلِ الْقَبْرَ أَحَدٌ قَارَفَ أَهْلَهُ اللَّيْلَةَ ". فَلَمْ يَدْخُلْ زَوْجُهَا. ⦗٣٢٣⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَابْنَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ هَذِهِ هِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ، تُوُفِّيَتْ وَكَانَتْ وَفَاتُهَا رضي الله عنها فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَتَأَمَّلْنَا قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: " لَا يَدْخُلِ الْقَبْرَ أَحَدٌ قَارَفَ أَهْلَهُ اللَّيْلَةَ "، فَوَجَدْنَا الْمُقَارَفَةَ قَدْ تَكُونُ مِنَ الْمُقَاوَلَةِ الْمَذْمُومَةِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْإِصَابَةِ، وَاسْتَحَالَ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِصَابَةَ؛ لِأَنَّ إصَابَةَ الرَّجُلِ أَهْلَهُ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ، وَكَانَ الَّذِينَ كَانَ إلَيْهِمْ نُزُولُ قَبْرِهَا وَإِدْخَالُهَا فِيهِ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهَا الْمُحَرَّمَاتِ مِنْهَا، وَلَا نَعْلَمُ كَانَ مِنْهُمْ حِينَئِذٍ حَاضِرًا غَيْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَنَّهُ أَبُوهَا، وَغَيْرَ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَغَيْرَ مَنْ كَانَ يَمَسُّهَا بِرَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ قِبَلِ أُمِّهَا وَهُوَ أَخُوهَا لِأُمِّهَا هِنْدُ بْنُ أَبِي هَالَةَ التَّمِيمِيُّ، وَمَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ بِرَضَاعٍ، فَكَانَ ⦗٣٢٤⦘ هَؤُلَاءِ أَوْلَى النَّاسِ بِإِدْخَالِهَا قَبْرَهَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ سِوَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنْ قَدْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ مُقَارَفَةٌ لَمْ يَحْمَدْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُ، فَلَمْ يُحِبَّ بِذَلِكَ أَنْ يَتَوَلَّى مِنَ ابْنَتِهِ مَا يَتَوَلَّاهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَدْ كَانَ مِنْ خُلُقِهِ ﷺ الَّذِي شَرَّفَهُ اللهُ عز وجل بِهِ، وَجَعَلَهُ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْأَخْلَاقِ أَلَّا يُوَاجِهَ أَحَدًا بِشَيْءٍ كَانَ مِنْهُ مِمَّا قَدْ كَرِهَهُ مِنْهُ، إِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِهِ، كَمِثْلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عِنْدَ قَوْلِ أَهْلِ بَرِيرَةَ فِي بَيْعِهِمْ عَائِشَةَ: نَبِيعُكِهَا - يَعْنُونَ بَرِيرَةَ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ - بَيْعًا تُعْتَقُ بِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ وَلَاؤُهَا لَنَا، أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: " مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ عز وجل مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ، إِنَّمَا الْوَلَاءُ لَمَنْ أَعْتَقَ ". وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ، فَأَسْمَعَهُمْ ذَلِكَ بِخِطَابِهِ النَّاسَ جَمِيعًا وَهُمْ فِيهِمْ بِهِ لِيَنْتَهُوا عَنْهُ