تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و قد بينا منذ حين أن التاريخ القديم الذي يوازنونه بالقرآن، و يريدون أن يحكموه في قصصه، هذا التاريخ لايمكن الاعتماد عليه أو الثقة به، فلا سلطان له على القرآن، و يبقى القرآن بذلك صادق القصص واقعى الانباء، و لا سيما أنه وثيق المتن و السند، كذلك كان موقفه من التوراة و الانجيل، فهو قد أثبت عليهما التغيير و التبديل، و أيده في ذلك ما قاله علماء اليهود و النصارى، و اذاً فلا قيام لشبهة يوردها المبشرون، و أضرابهم على قصص القرآن و تاريخه، كما لاقيمة لما يوردونه على تشريع القرآن و عقائده، فالقرآن مهيمن على كل ما سواه من تاريخ و كتب سماوية، و هو مصدق لها فيما لم يحرف، و مبين لما كانوا يخفون و يحرفون : (( يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب )). (( ان هذا القرآن يقص على بني اسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون )) ، (( و أنزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب و مهيمناً عليه )) .

و القرآن يقول عن قصصه كثيراً و دائماً انه القصص الحق، و يقول عن الرسل : (( لقد كان في قصصهم عبرة لاولى الالباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه )) .

و لسنا في حاجة إلى الكلام في توثيق القرآن لولا أننا نكتب هذا سداً لحاجة المنهج من وجه، و لمن يريد أن يلم بذلك ممن لم يستوعبوا تاريخ القرآن، ذلك أن الله تعالى قد تكفل بحفظه : (( انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون )) (( وانه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ))، لذلك توافرت له كل أسباب الحفظ، و تكاملت له عوامل الصيانة، فبقى كما أنزله الله على محمد لم ينله تغيير و لا تبديل . ( راجع مجلة لواء الاسلام سنة 4 عدد 8 للاستاذ عبدالوهاب حمودة.)

فقد كان للرسول كتاب يكتبون الوحى بين يديه على أثر نزول الايات، و من أشهرهم زيد بن ثابت شيخ هؤلاء الكتاب، و كان الرسول حريصاً على أن لايفلت شىء منه، فكان يحرك به لسانه و شفتيه حرصاً على حفظه، فأنزل الله عليه : (( لا تحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه و قرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه )) ، كما كان يشجع القراء على حفظ القرآن و يحتم على الناس قراءة شىء منه في الصلاة، يقول الله سبحانه وتعالى عن هذا القرآن الكريم : (( بل هو آيات بينات في صدور الذين أتوا العلم )) و هكذا جمع القرآن في حياة الرسول أول ما جمع كاملا وثيقاً محفوظاً في الصدور ومفرقا في السطور، و لما توفي عليه الصلاة و السلام ، أمر أبوبكر زيد بن ثابت فجمع القرآن المفرق في السطور مما كتب فيه من العسب واللخاف، مستأنساً بما حفظ الحافظون، وسجل القرآن في صحف بقيت عند أبى بكر فعمر فابنته حفصة حتى أخذها عثمان و عمل على كتابة عدة مصاحف وزعها بين بعض الامصار الاسلامية، و هي التي بقيت صورتها إلى الان، و يقول الناس دائماً المصحف العثمانى لذلك.

و خلاصة هذا البحث أن القرآن الكريم لايمكن أن يتحاكم إلى التاريخ القديم ولا التوراة و الانجيل، اذ ثبت أنه الثقة الحجة، و أنه هو الذي يهيمن على ما سواه و أن قصصه حق لا شك فيه .

===================

وإذ قال ربك للملائكة

الرد

البَقَرَة آية رقم : 30

قرآن كريم

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُّفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ

المشكلة التي دائماً تقابل المسلمين في رد الشبهات أنها يستقبلوا هذه الشبهات من أشخاص في قمة الجهل باللغة العربية .. وهذا هو السبب الحقيقي الذي أحاول دائماً توضيحه في أي موضوع أطرحه

فلو نظرنا إلى الآية الكريمة نجد قول الحق ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلائِكَةِ ﴾ ويَدَعوا بها أن الله يستشير ملائكته في الخلق ... ولكن حال الضلال الذي هم فيه يجعلهم يغمضوا أعينهم عن ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ، لأن هذا الجزء الواضح في باقي الآية يظهر أن الأمر مفروغ منه ، ولكنه إعلام للملائكة .. والله سبحانه وتعالى عندما يحدث الملائكة عن ذلك فلأن لهم مع آدم مهمة ، فهناك المدبرات أمرا ، والحفظة الكرام .. وغيرهم من الملائكة الذين سيكلفهم الحق سبحانه وتعالى بمهام متعددة تتصل بحياة هذا المخلوق الجديد .. فكان الأعلام .. لأن للملائكة عملاً مع هذا الخليفة .

ونجد في قول الملائكة ﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُّفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ ..

والسؤال : كيف عرف الملائكة ذلك ؟ فلابد أن هناك حالة قبلها قاسوا عليها ، أو أنهم ظنوا أن آدم سيطغى في الأرض ، ولكن كلمة سفك وكلمة دم ، كيف عرفتها الملائكة وهي لم تحدث بعد ؟ لا بد أنهم عرفوها في حياة سابقة

قال تعالى : الحِجْر

آية رقم : 27 قرآن كريم

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٧٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٧٥٧