تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأجاب عنه من وجوه الأول: قال أبو مسلم: قد بينا أن الخلق هو التقدير والتسوية، ويرجع معناه إلى علم الله تعالى بكيفية وقوعه وإراداته لإيقاعه على الوجه المخصوص وكل ذلك متقدم على وجود آدم عليه السلام تقديماً من الأزل إلى الأبد، وأما قوله ﴿ كُنَّ ﴾ فهو عبارة عن إدخاله في الوجود فثبت أن خلق آدم متقدم على قوله ﴿ كُنَّ ﴾.

والجواب الثاني: وهو الذي عول عليه القاضي أنه تعالى خلقه من الطين ثم قال له ﴿ كُنَّ ﴾ أي أحياه كما قال: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ فإن قيل الضمير في قوله خلقه راجع إلى آدم وحين كان تراباً لم يكن آدم عليه السلام موجوداً.

أجاب القاضي وقال: بل كان موجوداً وإنما وجد بعد حياته، وليست الحياة نفس آدم وهذا ضعيف لأن آدم عليه السلام ليس عبارة عن مجرد الأجسام المشكلة بالشكل المخصوص، بل هو عبارة عن هوية أخرى مخصوصة وهي: إما المزاج المعتدل، أو النفس، وينجر الكلام من هذا البحث إلى أن النفس ما هي، ولا شك أنها من أغمض المسائل.

الجواب: الصحيح أن يقال لما كان ذلك الهيكل بحيث سيصير آدم عن قريب سماه آدم عليه السلام قبل ذلك، تسمية لما سيقع بالواقع.

والجواب الثالث: أن قوله ﴿ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ يفيد تراخي هذا الخبر عن ذلك الخبر كما في قوله تعالى:﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءامَنُواْ ﴾[البلد: 17]

ويقول القائل: أعطيت زيداً اليوم ألفاً ثم أعطيته أمس ألفين، ومراده: أعطيته اليوم ألفاً، ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ أي صيره خلقاً سوياً ثم إنه يخبركم أني إنما خلقته بأن قلت له ﴿ كُنَّ ﴾.

المسألة الخامسة: في الآية إشكال آخر وهو أنه كان ينبغي أن يقال: ثم قال له كن فكان فلم يقل كذلك بل قال: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾.

والجواب: تأويل الكلام، ثم قال له ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فكان.

واعلم يا محمد أن ما قال له ربك ﴿ كُنَّ ﴾ فإنه يكون لا محالة

==============

التضارب فى القرآن

العرض:

في سورة ق: ".. فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22) ". ناقض " وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا(125) " طه.

النقد:

المقصود بالإبصار هنا: قوة المعرفة للحق واليقين به، يُقال: بصُرَ فلان بكذا: أي علِمَ به.[1]

أي: كأن الكافر يقول في الدنيا: " سأعد نفسي ليوم القيامة المزعوم، حججاً أحاجج بها الله ".

لكن، حين يبدأ الحساب، وتجادل كل نفس عن نفسها، يكون قد نسي تلك الحجج.

فكأنه يقول عندها: " إلهي لِمَ حشرتني أعمى عن حججي التي أعددتها، وكنت بصيراً بها ؟ ".

وسبب ذلك العَمَيان هو أنه لما بُعث، بصُر بعينيه حقيقة البعث (فصار بصره بقوة الحديد) [2]، فبُهت مَن وَقعت المفاجأة عليه، واسوَد وجهه وَجلاً.. فنسي لذلك حججه.. فيظل يبحث عنها بفكره، لكنه لا يهتدي إليها.

فبسبب هول ما شاهده ببصره، صار أعمى عن حججه !

وهكذا يتكامل معنَيا الآيتين الكريمتين، ولا يتناقضان.[3]

------------

[1] انظر: الإتقان، السيوطي، ص539، ونسبه إلى قطرب.

[2] بصرك حديد: أي شديد الوضوح، لا حاجز أمامه ولا غشاء. وقد اكتشف العلم الحديث أن الحديد له قابلية امتصاص كافة الإشعاعات الموجية ـ سواء كانت صوتية أم ضوئية ـ دون تشتيتها إلى بنسب ضئيلة جداً. ومن رحمة وحكمة الله Y أن خفف على الناس فضيق آفاق عيونهم ولم يسمح لهم برؤية كافة ما يصل الى العين من إشعاعات، ولكنها في الآخرة تكون في أوج اتساع آفاقها؛ لتبلغ النهاية في طاقتها: فتبصر أهوال القيامة بتفاصيلها. وفيه مزيد من تنعم أهل الجنة من النعيم، ومزيد من تعذيب أهل النار.. انظر: استراحة العدد، مجلة آيات، عدد8، آب 2004م، ص26، عمَّان.

[3] ويؤيد هذا التأويل، قوله تعالى: " وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا " [الإسراء: 72]، وفي سورة القصص: " وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ(64)وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ(65)فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ

=================

إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا

يقول المخبول زكريا بطرس ان القرآن يناقض نفسه في قوله ﴿ فَكُلِي وَاشْرَبِي ﴾ ثم يقول ﴿ صَوْماً ﴾ .

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٨٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٨٥٨