ثالثاً: لو سلمنا بأن الروح في الآية هي جزء من الإله، فهذا يقتضي أن يكون في الإله أقنومان - حسب اعتقاد النصارى - أقنوم الكلمة، وأقنوم الروح، وفي هذا تناقض في موقف النصارى ، إذ إنهم لا يقولون إلا بأقنوم ( الكلمة ) ولا يقولون بأقنوم ( الروح ) .
رابعاً: لو كان معنى ﴿ منه﴾ أي: جزء من الله، لكانت السماوات والأرض وكل مخلوق من مخلوقات الله جزء من الله؛ ألم يقل الله تعالى: ﴿ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه ﴾ (الجاثية:13) وقال عن آدم: ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ وقال تعالى: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ (النحل:53) .
إن معنى ﴿ منه ﴾ وفق السياق القرآني، أي: منه إيجادًا وخلقًا، فـ ﴿ من﴾ في الآية لابتداء الغاية، وليس المعنى أن تلك الروح جزء من الله تعالى .
وبعد ما تقدم نقول: إن القرآن الكريم في هذا الموضع وفي غيره، يقرر بشرية المسيح عليه السلام، وأنه عبد الله ورسوله، وأنه ليس له من صفة الألوهية شيء، وقد قال تعالى في نفس الآية التي معنا:
﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ﴾ فهو ابن مريم، وليس ابن الله، وهو رسول الله، وليس هو الله
وقال تعالى: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ (المائدة:72)
وقال تعالى: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ﴾ (المائدة:73)
وقال تعالى: ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا ﴾ (النساء:156)
وقال تعالى: ﴿ وقالت اليهود عزيرٌ ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ (التوبة:30) .
فهل بعد هذا الاستدلال العقلي، والبيان القرآني يبقى متمسك بشبهات أوهى من بيت العنكبوت ؟!
===============
هل يجوز لنا الاعتماد على التاريخ لنحكمه في قصص القرآن؟
الاستاذ أحمد الشايب
رداً على المبشرين ومن لف لفهم الذين يطعنون في صدق القصص القرآنى و يدّعون لذلك أنه مخالف للتاريخ القديم من جهة، و لما في التوراة و الانجيل من جهة ثانية، نقول وبالله التوفيق :
إلى أى مدى يصح لنا الاعتماد على التاريخ لنحكمه في قصص القرآن؟ كان المعقول أن نتخذ من التاريخ الوثيق مقياساً نحتكم اليه في بيان القيمة الواقعية الحقة لقصص القرآن، ولكن صحة المنهج تقضينا أن نوثق التاريخ أولا، و أن ننتهى إلى أنه حق مطلق لاتحريف فيه و لا تبديل، و هنا نسير مطمئنين في ضوء الحق اليقين لنقيس عليه القصص القرآنى و نفصل في قيمته التاريخية، ولكن أنّى لنا هذه الثقة الحاسمة في أخبار التاريخ القديم الذي لم يدوّن في حينه، و لم تستكشف وثائقه و مصادره، و ان ما يروى منه نتف مضطربة، و أساطير تافهة، و روايات مخلطة، لاتنتهى أبداً إلى يقين يمكن الاطمئنان اليه أو الاعتماد عليه في تحقيق صور الماضى و اتخاذها مقياساً حاسماً نحتكم اليه في بيان صدق القرآن أو ضد ذلك.
ويأكد الرازي أن تواريخ موسى و فرعون قد طال بها العهد و اضطربت الاحوال و الادوار، فلم يبق على كلام أهل التاريخ اعتماد في هذا الباب، فكان الاخذ بقول الله أولى )). تفسير الرازى، ج 7 ص 218.
و يقول الأستاذ الشيخ محمد عبده عن حال التاريخ قبل الاسلام : (( كانت مشتبهة الاعلام، حالكة الظلام، فلا رواية يوثق بها، و لاتواتر يعتد به بالاولى )) يقول هذا الكلام في نسبة قصص القرآن إلى التاريخ، و قبل ذلك قال : (( يظن كثير من الناس الان - كما ظن كثير من قبلهم - أن القصص التي جاءت في القرآن يجب أن تتفق مع ما جاء في كتب بني اسرائيل المعروفة عند النصارى بالعهد العتيق أو كتب التاريخ القديمة )) ثم يقول في هذا الشأن نفسه : (( و إذا ورد في كتب أهل الملل أو المؤرخين ما يخالف بعض هذه القصص، فعلينا أن نجزم بأن ما أوحاه الله إلى نبيه ونقل الينا بالتواتر الصحيح هو الحق و خبره الصادق، و ما خالفه هو الباطل، و ناقله مخطىء أو كاذب فلا نعده شبهة على القرآن و لا نكلف أنفسنا الجواب عنه )) و يقول : (( و قد قلت لكم غير مرة انه يجب الاحتراس في قصص بني اسرائيل و غيرهم من الانبياء، و عدم الثقة بما زاد على القرآن من أقوال المؤرخين و المفسرين، فالمشتغلون بتحرير التاريخ و العلم اليوم يقولون معنا انه لايوثق بشىء من تاريخ تلك الازمنة التي يسمونها أزمنة الظلمات الا بعد التحرى و البحث و استخراج الاثار، فنحن نعذر المفسرين الذين حشوا كتب التفسير بالقصص التي لايوثق بها لحسن قصدهم، ولكننا لانعول على ذلك بل ننهى عنه و نقف عند نصوص القرآن لانتعداها و انما نوضحها بما يوافقها إذا صحت روايته. تفسير المنار: ج 1 ص 347. ))