كذلك يعترف القرآن الكريم بالانجيل، ولكن في صورته الاصلية التي أوحيت إلى عيسى (عليه السلام)، و لم ينلها التبديل و التحريف : (( وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة و آتيناه الانجيل فيه هدى و نور )). و الاناجيل كثيرة جداً، حتى قيل أنها بلغت نيفاً ومائة انجيل، ولكن الكنائس والمجامع الدينية المسيحية تعترف بأربعة منها، هي انجيل متى، و انجيل مرقس، و انجيل لوقاً، و انجيل يوحنا، و لم يكتب شىء من هذه الاناجيل و لاغيرها في زمن المسيح (عليه السلام) و في حياته، فهى منقطعة السند، و لاتوجد نسخة انجيل بخط من تلاميذ ذلك المؤلف. يقول (هورن) في تفسير التوراة في الفصل الثانى بالقسم الثانى من المجلد الرابع : (( ان الاخبار التي يقصها المؤرخون القدامى للكنيسة عن تأليف الاناجيل بتراء و غير موثوق بها، بل هي هزيلة جداً، حتى لايستطيع الباحث أن يستخلص مها أمراً معينا أو يصل إلى نتيجة ما، و الشيوخ القدماء الاولون صدقوا هذه الروايات الواهية و كتبوها، و جاء الذين بعدهم فقبلوا ما وجدوه مكتوباً تعظيماً لسلفهم، على أن ما في تلك الاناجيل من الاخبار و القصص بعضها باطل، و بعضها صادق، و بعد مضى مدة اعتبرت كأنها فوق النقد )). ثم يثبت أن تلك الاناجيل كتبت بعد المسيح بأزمنة بعيدة، و تقول دائرة معارف الكتاب المقدس (ص 4980) من المجلد الرابع : (( ان العهد الجديد كتبه كتاب مسيحيون للمسيحيين، هذا و انه كتب باللغة اليونانية، و كان أسلوبه باللغة الدارجة و ان ما بين الاناجيل من التناقض مع ذلك لم يكن اتفاقاً و مصادفة، بل كان عن قصد و عمد، و الظاهر أن يد التغيير في نصوصها قد امتدت إليها من عهد قديم منذ طفولتها و الحق الذي ينبغى أن يقال ان العهد الجديد لم يكن يعتبر منذ نشأته أنه كتاب موحى به، لذلك كانت التنقيحات التي تتناوله يقدم عليها في غير ما تردد، و لا تحرج كلما دعت الضرورة إلى ذلك )) و كتب (موريس غوغويل) من علماء فرنساً يقول: (( ان كثيراً من روايات الاناجيل غير واقعية، بل مطبقة على التقاليد النصرانية تطبيقاً لمجرد الدعاية أو بحسب الاعتقاد، و ان هذا في واد، و التاريخ في واد )). والتناقض شائع بين الاناجيل، نذكر منه مثالا واحداً هنا، فقد ورد في انجيل يوحنا الاصحاح 1: أرسل اليهود الكهنة و اللاويين إلى يوحنا (يحيى) ليسألوه من أنت; فقالوا له: هل أنت ايليا؟ فقال لهم: لست ايليا، و قال متى ص 11: ان المسيح قال ان أردتم أن تقبلوا فهذا هو ايليا المزمع أن يأتى، يريد بذلك يوحنا (يحيى) و قال متى أيضاً ص 17: و سأله تلاميذه قائلين: فلما ذا يقول الكتبة ان ايليا ينبغى أن يأتى أولا؟ فأجاب يسوع و قال لهم: ان ايليا يأتى أولا و يرد كل شىء، ولكنى أقول لكم ان ايليا قد جاء و لم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا، كذلك ابن الانسان أيضاً سوف يتألم منهم، حينئذ فهم المسيح أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان (يحيى بن زكريا).
فأى النصين نصدقه : قول يحيى الذي قال اننى لست بايليا و هو رسول لايكذب أم قول عيسى الذي قال انه ايليا؟ و هذا من أثر المصنفين.
و يقول القرآن الكريم : (( يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب و يعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور و كتاب مبين يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام و يخرجهم من الظلمات إلى النور باذنه و يهديهم إلى صراط مستقيم ))، و قال عن اليهود: (( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا )) ، و يقول : (( يأهل الكتاب لستم على شىء حتى تقيموا التوراة و الانجيل وما أنزل اليكم من ربكم )) و هكذا ليس الانجيل من الثقة متناً و سنداً حتى يحتج به على قصص القرآن كما يدعى المغرضون.
ننتهى بعد ذلك إلى القرآن الكريم لنعرف مكانته في التوثيق أولا، و موقفه من التاريخ و التوراة و الانجيل ثانياً، و رأيه في قصصه ثالثاً.