أرأيتم أن الشريعة الإسلامية كانت أشد إنكاراً لما أنكرتموه، وأشد استهجانا لما استهجنتموه، فسمت الحلل تيساً مستعارا، وهذا فيه من التقبيح والاتسهجان ما فيه، ولعنته، وهل يلعن الله ورسوله من يفعل مستحبا أو جائزا أو مكروهاً أو صغيراً، أو لعنته مختصة يمن أرتكب كبيرة أو ما هو أعظم منها، كما قال ابن عباس، كل ذنب ختم بلعنة أو غضب أو عذاب أو نار فهو كبيرة.
=============
نفي عصمة الرسول صلى اله عليه وسلم
الشيخ عماد الشربيني
احتج المشاغبون الذاهبون إلى نفى العصمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قلبه وعقيدته قبل البعثة وبعدها، بما ورد من آيات أسند فيها "الضلال" و"الغفلة" إلى ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم، وحملوها على الكفر فى حقه صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى : }قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب﴿([1]) وقوله عز وجل : ﴾ووجدك ضالاً فهدى﴿([2]) وقوله سبحانه : ﴾نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين{([3])
ويجاب عن ما سبق بما يلى :
أولاً : حمل أعداء الإسلام، وأعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة كلمتى "الضلال" والغفلة، فى الآيات على الكفر والغى والفساد! وهذا تعسف باطل فى تأويل الآيات، ومرفوض من وجوه:
الأول : أنه قبل النبوة لم يكن هناك شرعاً قائماً حتى يوصف المنحرف عنه بالضلال
الثانى : ما ثبت بإجماع الأمة قاطبة من عصمة الأنبياء قبل النبوة وبعدها من الكبائر والصغائر([1])
الثالث : ما ثبت بالتواتر عن حال النبى صلى الله عليه وسلم فى نشأته قبل النبوة من عصمة ربه عز وجل له من كل ما يمس عقيدته وخلقه بسوء على ما سبق تفصيله([2])
ثانياً : إن تأويل أعداء الإسلام للآيات يرفضه القرآن الكريم، حيث وردت فيه كلمة "الضلال" مراداً بها أكثر من معنى، منها ما يلى :
1- ضلال بمعنى الكفر فى نحو قوله تعالى : }ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون{([3])
2- ضلال بمعنى النسيان فى نحو قوله تعالى : }أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى{([4]) أى أن تنسى إحدى المرأتين، فتذكر إحداهما الأخرى
3- ضلال بمعنى الغفلة فى نحو قوله سبحانه على لسان سيدنا موسى عليه السلام لفرعون : }قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين{([5])
4- ضلال بمعنى المحبة فى نحو قوله عز وجل على لسان أولاد سيدنا يعقوب : }إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفى ضلال مبين﴿([6]) أى فى حب مبين ليوسف، وهو المشار إليه فى قوله تعالى على لسانهم أيضاً : ﴾قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم﴿([7]) وكذلك قوله سبحانه على لسان نسوة المدينة : ﴾وقال نسوة فى المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً إنا لنراها فى ضلال مبين{([8]) أى حب مبين ليوسف عليه السلام
ولما كان الضلال فى لسان أهل اللغة : العدول عن الطريق المستقيم، وضده الهداية، كان كل عدول ضلال، سواء كان عمداً أو سهواً، يسيراً كان أو كثيراً، ومن هنا صح أن يستعمل لفظ الضلال ممن يكون منه خطأ ما، ولذلك نسب الضلال إلى الأنبياء، وإلى الكفار، وإن كان بين الضلالين بون بعيد([9])
وعلى الوجهين الثالث والرابع تفسر آية : }ووجدك ضالاً فهدى{ ونحوها، ويكون المعنى على الوجه الرابع : ووجدك محباً للهداية فهداك إليها، ويشهد لصحة هذا الوجه والتأويل ما يلى :
أ- ما صح من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، وتحنثه فى غار حراء طلباً للهداية، حتى نزل عليه جبريل عليه السلام بالوحى([1 ])
ب- أن من أسماء المحبة عند العرب "الضلال" قال الشاعر
هذا الضلال أشاب مني المفرقا *** والعارضين ولم اكن متحققا
عجبا لعزة في اختيار قطيعتي*** بعد الضلال فحبلها قداخلفا 14
قال الإمام الزرقانى([12]) : وهذا أى الوجه الرابع، وتأويل الضلال بمعنى المحبة منقول عن قتادة، وسفيان الثورى، فلا يضر عدم وجوده فى الصحاح وأتباعه، فاللغة واسعة([13])، وقال الدكتور عبد الغنى عبد الخالق : وهذا قول حسن جداً([14]) ويكون المعنى على الوجه الثالث : }ووجدك ضالاً فهدى{ أى وجدك غافلاً عما يراد بك من أمر النبوة، فهداك أى فأرشدك
والضلال هنا : بمعنى الغفلة كقوله تعالى : }لا يضل ربى ولا ينسى﴿([15]) أى لا يغفل ولا يسهو جل جلاله عن شئ فى السماوات والأرض وما فيهن([16]) وقال تعالى فى حق نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴾نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴿([17]) أى لم تكن تدرى القرآن، والشرائع وما فيها من قصص الأنبياء، فهداك الله عز وجل إلى ذلك، وهو معنى قوله تعالى : ﴾وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدى به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم{([18])