وجعل الله تعالى التقوى على قد الأستطاعة ، وهكذا نسخت الآية الأولى مطلوباً ، ولكنها بقيت ارتقاء ، فمن أراد أن يرتقي بتقواه إلى ( حق تقاته ) فبها ونعمت ، وأكثر الله من أمثاله وجزاه خيراً ، ومن لم يستطع أخذ بالثانية .
ولو نظرنا إلى هاتين الآيتين نظرة أخرى لوجدنا الأولى :
آلِ عِمْرَان .... آية رقم : 102 ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ....﴾
وإن كانت تدعو إلى كثير من التقوى إلا العاملين بها قلة ، وفي حين أن الثانية :
فنزلت : ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ... ﴾ التغابن 16
وإن جعلت التقوى على قدر الأستطاعة إلا أن العاملين بها كثير ، ومن هنا كانت الثانية خيراُ من الأولى ، كما نقول : قليل دائم خير من كثير منقطع .
أما في قوله تعالى : ﴿ أَوْ مِثْلِهَا .. البقرة 106 ﴾ أي أن الأولى مثل الثانية ، فما وجه التغيير هنا ، وما سبب التبديل ؟
نقول : سببه هنا اختيار المكلف في مدى طاعته وانصياعه ، إن نُقل من أمر إلى مثله ، حيث لا مشقة في هذا ، ولا تيسر في ذلك ، هل سيمتثل ويطيع ، أم سيجادل ويناقش ؟
مثل هذه القضية ولاضحة في حادث تحويل القبلة ، حيث لا مشقة على الناس في الاتجاه نحو بيت المقدس ، ولا تيسير عليهم في الاتجاه نحو الكعبة ، الأمر اختبار للطاعة والانصياع لأمر الله ، فكان من الناس من قال : سمعنا وطاعة ونفذوا أمر الله فوراً
دون جدال ، وكان منهم من اعترض وأنكر واتهم رسول الله بالكذب على الله .
زمن ذلك أيضاً ما نراه في مناسك الحج مما سنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث نُقبل الحجر الأسعد وهو سحجر ، ونرمي الجمرات وهي أيضاً حجر ، إذن أمور لا مجال للعقل فيها ، بل هي لأختبار الطاعة والانقيادط للمشرع سبحانه وتعالى .
ثم يقول تعالى : ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ .. النحل 101 ﴾
بل : حرف يفيد الإضراب عن الكلام السابق وتقرير كلام جديد ، فالحق سبحانه وتعالى يُلغي كلامهم السابق :
﴿ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ... النحل 101﴾
ويقول لهم : لا ليس بمفتر ولا كاذب ، فهذا اتهام باطل ، بل أكثرهم لا يعلمون .
وكلمة ( أكثرهم ) هنا ليس بالضرورة أن تقابل بالأقل ، فيمكن أن نقول : أكثرهم لا يعلمون . وأيضاً : أكثرهم يعلمون كما جاء قوله سبحانه وتعالى :
الحَجُّ....آية رقم : 18 ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذَابُ .... ﴾
هكذا بالإجماع ، تسجد لله تعالى جميع المخلوقات إلا الإنسان ، فمنه كثير يسجد ، يقابله أيضاً كثير حَقَّ عليه العذاب ، فلم يقُلْ القرآن : وقليل حَقَّ عليه العذاب .
وعلى فرض أن : ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴾
إذن : هناك أقلية تعلم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن ربه ، وتعلم كذبهم وافتراءهم على الرسول الله حينما بالكذب ، ويعلمون صدق كل آية في مكانها ، وحكمة الله المرادة من هذه الآية .
فمن هم هؤلاء الذين يعلمون في صفوف الكفار والمشركين ؟
قالوا : لقد كان بين هؤلاء قوم أصحاب عقول راجحة ، وفهم للأمور ، ويعلمون وجه الحق والصواب في هذه المسألة ، ولكنهم أنكروها ، كما قال الحق تبارك وتعالى :
النَّمْل.....آية رقم : 14 ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَّعُلُوًّا .. ﴾
وأيضاً من هؤلاء أصحاب عقول يفكرون في الهدى ، ويُراودهم الإسلام ، وكأن لديهم مشروع إسلام يُعدون أنفسهم له ، وهم على علم أن كلام الكفار واتهامهم لرسول الله باطل وافتراء .
وأيضاً من هؤلاء مؤمنون فعلاً ، ولكن تنقصهم القوة الذاتية التي تدفع عنهم ، والعصبية التي ترد عنهم كيد الكفار ، وليس عندهم أيضاً طاقة أن يهاجروا ، فهم ما يزالون بين أهل مكة إلا أنهم مؤمنون ويعلمون صدق رسول الله وافتراء الكفار عليه ، لكن لا قدرة لهم على إعلان إيمانهم .
وفي هؤلاء يقول الحق سبحانه وتعالى : الفَتْحُ .... وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُم وَأَيْدِيَكُمْ عنهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُم عَلَيْهِم وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ( آية : 25) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ والْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبُكُمْ مِنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ ..... }
أي : تدخلوا على أهل مكة وقد اختلط الحابل بالنابل ، والمؤمن بالكافر ، فقتلوا إخوانكم المؤمنين دون علم .