أي : نسبة واحد إلى عشرة ، فحينما علم الحق سبحانه فيهم ضعفاً ، قال :
﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبون مائتين ﴾ الأنفال 66
أي : نسبة واحد إلى أثنين . فالله تعالى هو الذي يعلم حقيقة وسعنا ، ويكلفنا بما نقدر عليه ، ويُخفف عنا الحاجة إلى التخفيف ، فلا يصح أن نقحم أنفسنا في هذه القضية ، ونقدر نحن الوسع بأهوائنا .
ومن أمثلة النسخ أن العرب كانوا قديماً لا يعطون الآباء شيئاً من المال على أعتبار أن الواد مُنْتهٍ ذاهب ، ويجعلون الحظ كله للأبناء على أعتبار أنهم المقبلون على الحياة .
وحينما أراد الحق سبحانه أن يجعل نصيباً للوالدين جعلها وصية فقال :
البَقَرَة... آية رقم : 180 ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَيْنِ ..... ﴾
فلما استقر الإيمان في النفوس جعلها ميراثاً ثابتاً ، وغير الحكم من الوصية إلى خير منها وهو الميراث ، فقال تعالى :النِّسَاء.... آية رقم : 11 ﴿ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ ... ﴾
لإذن : الحق تبارك وتعالى حينما يغير آية ينسخها بأفضل منها .
وهذا واضح في تحريم الخمر مثلاً ، حيث نرى هذا التدريج المحكم الذي يراعي طبيعة النفس البشرية ، وأن هذا الأمر من العادات التي تمكنت من النفوس ، ولا بد لها من هذا التدرج ن فهذا ليس أمراً عقيدياً يحتاج إلى حكم قاطع لا جدال فيه .
فانظر إلى هذا التدريج في تحريم الخمر : قال تعالى :
النَّحْل.... آية رقم : 67 ﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ... ﴾
أهل التزوق والفهم عن الله حينما سمعوا هذه الآية قالوا : لقد بيت الله للخمر أمراً في هذه الآية ؛ ذلك لأنه وصف الرزق بأنه حسن ، وسكت عن السَّكَر فلم يصفه بالحُسْن ، فدل ذلك على أن الخمر سيأتي فيه كلام فيما بعد .
وحينما سُئل صلى الله عليه وسلم عن الخمر رد القرآن عليهم :
البَقَرَة.... آية رقم : 219 ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ...﴾
جاء هذا على سبيل النصح والإرشاد ، لا على سبيل الحكم والتشريع ، فعلى كل مؤمن يثق بكلام ربه أن يرى له مخرجاًَ من أسر هذه العادة السيئة .
ثم لُوحظ أن بعض الناس يُصلي وهو مخمور ، حتى قال بعضهم في صلاته : أعبد ما تعبدون .. فجاء الحكم :
النِّسَاء....آية رقم : 43 ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ... ﴾
ومقتضى هذا الحكم أن يصرفهم عن الخمر معظم الوقت ، فلا تتأتى لهم الصلاة دون سُكر إلا إذا امتنعوا عنها قبل الصلاة بوقت كاف ، وهكذا عودهم على تركها معظم الوقت ، كما يحدث الآن مع الطبيب الذي يعالج مريضه من التدخين مثلاً ، فينصحه بتقليل الكمية تدريجياً حتى يتمكن من التغلب على هذه العادة .
وبذلك وصل الشارع الحكيم سبحانه بالنفوس إلى مرحلة ألفت فيها ترك الخمر ، وبدأت تنصرف عنها ، وأصبحت النفوس مهيئة لتقبل التحريم المطلق ، فقال تعالى :
المائِدَة.....آية رقم : 90 ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ... ﴾ إذن : الحق سبحانه وتعالى نسخ آية وحُكمْها بما هو أحسن منه .
والعجيب أن نرى من يرفض قبول النسخ بالقرآن ، كيف والقرآن نفسه يقول :
البَقَرَة.... آية رقم : 106 {﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾}
قالوا : لأن هناك شيئاً يُسمى البداء ... ففي النسخ كأن الله تعالى أعطى حُكماً ثم تبين له خطؤه ، فعدل عنه ‘لى حكم آخر .
ونقول لهؤلاء : لقد جانبكم الصواب في هذا القول ، فمعنى النسخ إعلان انتهاء الحكم السابق بحكم جديد أفضل منه ، وبهذا المعنى يقع النسخ في القرآن .
ومنهم مَن يقف عند قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا .. البقرة 106 ﴾
فيقول : ﴿ نأت بخير منها ﴾ فيها على للتبديل ، وضرورة تقتضي النسخ وهي الخيرية ، فما علة التبديل في قوله ﴿ أو مثلها ﴾ ؟
أولاً : في قوله تعالى : ﴿ نأت بخير منها ﴾ قد يقول قائل : ولماذا لم يأتِ بالخيرية من البداية ؟
نقول : لأن الحق سبحانه حينما قال : آلِ عِمْرَان .... آية رقم : 102 ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ....﴾
وهذه منزلة عالية من التقوى ، لا يقوم بها إلا الخواص من عباد الله ، شقت هذه الآية على الصحابة وقالوا : ومن يستطيع ذلك يارسول الله ؟
فنزلت : ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ... ﴾ التغابن 16