ويقول ابن خالويه في بيان منهجه في كتابه : ((فإني تدبرت قراءة الأئمة السبعة، من أهل الأمصار الخمسة، المعروفين بصحة النقل وإتقان الحفظ، المأمونين على تأدية الرواية واللفظ))ابن خالويه ، الحجة في القراءات السبع ص61.
وهكذا ترى جميع أهل العلم يقرون بأن نقل القرآن هو في الأصل سماعي لا كتابي :
يقول ابن الجزري : ((ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط الْمصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لِهَذِهِ الأمة)) النشر في القراءات العشر لابن الجزري 1/6.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه : ((والاعتماد فى نقل القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف؛ كما فى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: (إِنَّ ربى قال لي أَن قم في قريش فأنذرهم فقلت: أي رب إذًا يثلغوا رأسي - أي يشدخوا- فقال: إني مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانًا فابعث جندا أبعث مثليهم وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأَنْفق أُنْفِق عليك)؛ فأخبر أن كتابه لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء بل يقرؤه فى كل حال، كما جاء في نَعْتِ أُمَّتِه: (أناجيلهم فى صدروهم)، بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ولا يقرأونه كله إلا نظرًا لا عن ظهر قلب)) مجموع الفتاوى لابن تيمية 13/400.
وفي تفسير الآلوسي : ((المرعى فيه السماع من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم)) روح المعاني للآلوسي 1/21.
ويقول الزرقاني : ((وقد قلنا غير مرة: إن المعول عليه وقتئذٍ كان هو الحفظ والاستظهار، وإنما اعتمد على الكتابة كمصدر من المصادر زيادة في الاحتياط ومبالغة في الدقة والحذر)) مناهل العرفان 1/177.
وانظروا ما رواه لنا ابنُ مجاهد في ((كتاب السبعة في القراءات)) ص51 (وسأختصر الأسانيد هنا) :
ـ عن محمد بن المنكدر قال : ((قراءة القرآن سنة يأخذها الآخر عن الأول)) قال : وسمعت أيضا بعض أشياخنا يقول عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز مثل ذلك.
ـ وعامر الشعبي قال : ((القراءة سنة فاقرءوا كما قرأ أولوكم)).
ـ وعن صفوان بن عمرو وغيره قالوا: سمعنا أشياخنا يقولون : ((إن قراءة القرآن سنة يأخذها الآخر عن الأول)).
ـ وعن عروة بن الزبير قال : ((إنما قراءة القرآن سنة من السنن فاقرءوه كما عُلِّمتموه)).
وفي لفظٍ عن عروة بن الزبير قال : ((إنما قراءة القرآن سنة من السنن فاقرءوه كما أُقْرئتموه)).
ـ وعن زيد بن ثابت قال : ((قراءة القرآن سنة)).
وغير هذا كثير في كلام الصحابة والتابعين وأهل العلم .
وبناء على ما سبق ، فقد أَرَسَلَها أئمتُنا الكرام رضي الله عنهم قاعدةً أصيلةً حَمَلَتْها الركبان إلى جميع الأقطار ؛ لتقول لهم : (( لا تأخذوا القرآن مِنْ مُصْحَفِيٍّ، ولا الحديث عن صُحُفِيٍّ )) .. فقطع أئمتُنا بذلك كل طُرق الاعتماد في نقل القرآن على الكتابة والمصاحف، وتركوا الباب مفتوحًا أمام السماع والأسانيد لا غير .
ـ فَعَن سليمان بن موسى أَنَّه قال : (( لا تأخذوا الحديثَ عن الصُّحُفيِّين، ولا تقرؤوا القرآنَ على الْمُصْحَفِيِّين)) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2/31 ، والمحدث الفاصل للرامهُرْمزي ص211 .
ـ وقال سعيد بن عبد العزيز : (( لا تأخذوا العلم عن صُحُفِيٍّ، ولا القرآن مِنْ مُصْحَفِيٍّ )) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2/31 .
ـ ويقول الوليد بن مسلم : (( لا تأخذوا العلم من الصُّحُفيِّين ولا تقرءوا القرآن على الْمُصَحَفِيِّين ؛ إلا مِمَّن سمعه مِن الرجال وقرأَ على الرجال )) تاريخ دمشق لابن عساكر 63/292 ، وتهذيب الكمال للمزي (3/98 .
ـ ويقول السخاوي في (فتح المغيث) 2/262 : (( والأخذ للأسماء والألفاظ من أفواههم - أي العلماء بذلك ، الضابطين له ممن أخذه أيضًا عمن تقدم من شيوخه وهلم جرَّا - لا من بطون الكتب والصُّحُف من غير تدريب المشايخ : أَدْفَع للتَّصحيف ، وأَسْلَم من التبديل والتحريف....
وقد روينا عن سليمان بن موسى أنه قال: كان يقال : لا تأخذوا القرآن من مصحفي ولا العلم من صحفي.
وقال ثور بن يزيد: لا يفتي الناس صحفي ولا يقرئهم مصحفي.
وقد استدل بعضهم بقول عمران -لما حَدَّث بحديثٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال له بشير بن كعب: إن في الحكمة كذا-: أُحَدِّثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن الصحف؟
وروينا في مسند الدارمي عن الأوزاعي أنه قال: ما زال هذا العلم في الرجال حتى وقع في الصحف فوقع عند غير أهله )) . أهـ
ـ ويقول الصنعاني في (توضيح الأفكار) 2/394 : (( ويقال: لا تأخذ القرآن من مُصْحَفِيٍّ ولا العلم من صُحُفِيٍّ )) .
نخلص من هذا بأن القرآن الكريم بجميع سوره وأياته متضمنًا المعوذتين قد بلغنا سماعًا من المشايخ القراء جيلاً بعد جيل ، وهؤلاء المشايخ يرجعون في النهاية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فهذا أكبر دليل على تواتر المعوذتين وكونهما جزءًا من القرآن الكريم .
=====================