تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأصل الثالث : أنه ليس كل كلام موجود في الكتب يكون حقًا ؛ فقد وجد كلام باطل بل هو من أبطل الباطل قال به ناس و وضعه أهل العلم في الكتب على سبيل إيراد مختلف الآراء و الأقوال . فهاهو الإمام القرطبي يذكر عن البعض في تفسيره لسورة القلم أن (ن) هو (( الحوت الذي تحت الأرض السابعة )) و (( إن النون هو الحوت الذي عليه الأرضون )) و يكتب في تفسيره : ((و قال الكلبي و مقاتل : اسمه البهموت . قال الراجز :

مالي أراكم كلكم سكوتا ::: والله ربي خلق البهموتا

و قال أبو اليقظان و الواقدي : ليوثا . و قال كعب : لوثوثا . و قال : بلهموثا . و قال كعب : إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرضون فوسوس في قلبه ، و قال : أتدري ما على ظهرك يا لوثوثا من الدواب والشجر والأرضين وغيرها ، لو لفظتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع ؛ فهم ليوثا أن يفعل ذلك ، فبعث الله إليه دابة فدخلت منخره ووصلت إلى دماغه ، فضج الحوت إلى الله عز وجل منها فأذن الله لها فخرجت . قال كعب : فوالله إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت كما كانت )) تفسير القرطبي ج29 ص442 . و لا يخفى ما في هذا الكلام من السخافة و الهذيان .

و هاهو المشعوذ الحلاج يمدح إبليس فيقول : (( و ما كان في أهل السماء موحد مثل إبليس )) الحلاج ، الطواسين ص42 . ثم يدافع عن فرعون بإصرار و يتخذه و إبليس أستاذين له قائلاً : (( فصاحبي و أستاذي إبليس و فرعون ، و إبليس هدد بالنار و ما رجع عن دعواه ، و فرعون أغرق في اليم و ما رجع عن دعواه ، و لم يقر بالواسطة البتة . و إن قتلت أو صلبت أو قطعت يداي و رجلاي ما رجعت عن دعواي )) المصدر السابق ص51-51 .. فهذا كلام لا يقبله عاقل ، و رغم هذا موجود في الكتب و قال به ناس . لهذا لا نقبل أي قول في الكتب أو غيرها إلا إذا كان عليه دليل معلوم ، فإن افتقر الكلام إلى الدليل لم يكن له وزن و لا اعتبار . و إن كان دليله ضعيفًا أو باطلاً أو مرجوحًا كان اعتباره بقدر دليله .

فصل في أن ما قامت الأدلة على أنه حق وجب الجزم بصدقه والجزم ببطلان ما عارضه

و هذه قاعدة شريفة جليلة مفطور عليها عقل ابن آدم ؛ فهو إن ثبت لديه أمر ما بالأدلة و البراهين علم قطعًا أن عكس هذا الأمر باطل لا يجوز ، حتى إن وردت عليه شبهة بخصوص هذا الأمر لم تخرج عن كونها شبهة بالنسبة له يعلم فسادها يقينًا و إن لم يكن يعلم كيفية الرد عليها . و هذا أمر نراه كثيرًا في المسلمين الذين ترد عليهم الشبهات بخصوص أمور معلومة من الدين بالضرورة و لا يشكون في بطلان هذه الشبهات و يعلمون في قرار أنفسهم أنها شبهات فاسدة و أن الحق بخلافها لكنهم يعجزون عن الرد عليها ردًا علميًا أصيلاً فيسعون لمن لديه الرد على هذه الشبهات يسألون و يستفسرون .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - في تفسيره لقوله تعالى : ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين ﴾ : (( وفي هذه الآية وما بعدها دليل على قاعدة شريفة وهو أن ما قامت الأدلة على أنه حق وجزم به العبد من مسائل العقائد وغيرها ، فإنه يجب أن يجزم بأن كل ما عارضه فهو باطل ، وكل شبهة تورد عليه فهي فاسدة ، سواء قدر العبد على حلها أم لا فلا يوجب له عجزه عن حلها القدح فيما علمه ، لأن ما خالف الحق فهو باطل ، قال تعالى فماذا بعد الحق إلا الضلال وبهذه القاعدة الشرعية تنحل عن الإنسان إشكالات كثيرة يوردها المتكلمون ويرتبها المنطقيون ، إن حلها الإنسان فهو تبرع منه ، و إلا فوظيفته أن يبين الحق بأدلته ويدعو إليه ))

و كلام العلامة السعدي – رحمه الله – حق لا نزاع فيه ؛ فليس لازمًا على كل مسلم معرفة الردود على الشبهات و الأباطيل لأن معرفة الحق و أدلته تغني عن الرد على الأباطيل التي تعارضه ، فالحق واحد و الأباطيل عديدة . و سواء قدر المرء على تفنيد الشبهات و الافتراءات أم لا ، فهذا لا يطعن أبدًا في الحق المقطوع به الذي يؤيده الدليل القطعي ؛ لأن كل ما يخالف هذا الحق فهو باطل بالضرورة حتى دون البحث في أدلته و تفنيدها

. باب في الأدلة على كون المعوذتين من سور القرآن الكريم

قبل أن نذكر الشبهات حول قرآنية المعوذتين نود أن نستعرض الأدلة الصحيحة القطعية على كونهما من القرآن العظيم ، و نبدؤها بوقوع التواتر القطعي لهما ضمن باقي السور ، و معه تواتر المعوذتين عن ابن مسعود نفسه رضي الله عنه .

والأصل في رواية القرآن وتلقّيه على السماع والحفظ ، لا على الكتابة والمصاحف .. وقد صار هذا ديدنًا لعلماء القراءات يذكرونه في فواتح كتبهم، بعبارات شتى، ومعنًى واحدٍ

ومن ذلك قول أبي عمرو الداني في مقدمة كتابه ((نقط المصاحف)) : ((هذا كتاب علم نقط المصاحف وكيفيته على صيغ التلاوة ومذاهب القراءة)).

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٦٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٦٨٦