بل إن هذا الإقرار منا ، عند التنزل ، لا يضر هؤلاء العلماء ولا مقامهم عندنا ، لأنه ليس من شرط رفعة قدر العالم فى الإسلام ألا يخطئ ، فإنه لا يحيط بعلم هذا الدين إلا خاتم المرسلين ، بما نزله على قلبه رب العالمين .. وقد كان فى صحابة رسول الله من يجهل بعض المسائل ، ولم يعلمها إلا بعد موت النبى عليه الصلاة والسلام ، ولم ينقص ذلك من قدرهم عند الناس ، ولا عند الله .. فلا يضر هؤلاء العلماء إقرارنا بغياب معلومة عنهم .. لا ينقص من قدرهم أبداً عندنا .. ولا فى ميزان أحكم الحاكمين
على ضوء ما فات ، نناقش ما كتبه زميلنا "البابلى" تفصيلياً ، كاشفين عواره ، ومبينين الصواب بإذن الله .
تقول : " بالحرف الواحد يقول المفسر بان الرسول الثالث هو : بولس " ..
تحسب بذلك أنك توهم قارئك المسكين ، بأن ابن كثير يعتنق رأيك ، وابن كثير لا يقول أصلاً بأن رسل يس هم حواريي عيسى ، ناهيك عن أن ينص على بولس ولا غيره .. لكن هذا الإيهام إن راج على المسيحى المسكين ، فلا يدخل على المسلم المطلع بحال .
يقول ابن كثير فى تفسيره : ج 3 ص 567 :
" يقول تعالى : واضرب يا محمد لقومك الذين كذبوك مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون .. قال ابن إسحاق فيما بلغه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وكعب الأحبار ، ووهب بن منبه : إنها مدينة أنطاكية ، وكان بها ملك ، يقال له : انطيخس ابن انطيخس بن انطيخس ، وكان يعبد الأصنام ، فبعث الله تعالى إليه ثلاثة من الرسل ، وهم صادق وصدوق وشلوم ، فكذبهم .. وهكذا روي عن بريدة بن الخصيب ، وعكرمة ، وقتادة ، والزهري ، أنها : إنطاكية ..وقد استشكل بعض الأئمة كونها إنطاكية بما سنذكره ، بعد تمام القصة ، إن شاء الله تعالى "
وبعد تمام القصة وفى ابن كثير بما وعد ، يقول فى ص 570 :
" وقد تقدم عن الكثير من السلف ، أن هذه القرية هي انطاكية ، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلاً من عند المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام .. وفي ذلك نظر من وجوه :
" أحدهما : أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله عز وجل ، لا من جهة المسيح عليه السلام ، كما قال تعالى " إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون .. " إلى أن قالوا " .. ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون . وما علينا إلا البلاغ المبين " .. ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح عليه السلام ، والله تعالى أعلم .. ثم .. لو كانوا رسلَ المسيح لما قالوا لهم " إن أنتم إلا بشر مثلنا " ..
" والثاني : أن أهل انطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم ، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح ، ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتاركة .. فإذا تقرر أن انطاكية أول مدينة آمنت ، فأهل هذه القرية ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله ، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم ، والله أعلم ..
" الثالث : أن قصة انطاكية مع الحواريين بين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة ، وقد ذكر أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وغير واحد من السلف ، أن الله تبارك وتعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم ، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين .. ذكروه عند قوله تبارك وتعالى " ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى " .. ا.هـ
إذن .. ابن كثير لا يقول بأن بولس من رسل المسيح ، لأنه أصلاً لا يؤمن بأن رسل يس هم رسل عيسى عليه السلام ، وإنما يقول بأنهم رسل الله عز وجل ، الواحد الأحد ، الفرد الصمد .
ثم تستشهد بتفسير الجلالين ، الذى رأى أن الرسل هم رسل عيسى عليه السلام ، وهو يتابع فى ذلك أصحاب هذا الرأى دون بينة ، وقد بينا سابقاً رأينا فى موقف المفسرين الأوائل ، كقتادة وغيره ، وأما من تابعوهم من مفسرينا المتأخرين كالجلالين وغيرهما ، فنقول مثلما علمونا : كلٌ يؤخذ من كلامه ويرد إلا محمد عليه الصلاة والسلام ، ولا ينقص هذا من قدرهم عندنا ولا عند الله .. ثم إن قولهم بأنهم رسل عيسى عليه السلام ، ليس فيه حجة على أن بولس كان منهم ، فبولس سيخرج خاوى الوفاض من كلا الرأيين كما بينا سابقاً ، لأنه حُرم شرف صحبة عيسى عليه السلام .
ثم تزعم بعدها أنك ستستشهد على صحة دعواك من أقوال محمد .. صلى الله عليه وسلم ، ثم تنقل لنا ما يلى من رواية ابن إسحاق :
" أن رسول الله خرج على اصحابه فقال لهم : ان الله بعثني رحمة وكافة ، فادوا عني يرحمكم الله ، ولا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون على عيسى ابن مريم ، قالوا : وكيف يا رسول الله كان اختلافهم ؟ قال : دعاهم لمثل ما دعوتكم له ، فاما من قرب به فاحب وسلم ، واما من بهد فكره وابى ، فشكا ذلك عيسى منهم الى الله ، فاصبحوا وكل رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين وُجه اليهم "
أين ذكر بولس على لسان النبى عليه الصلاة والسلام ؟ .. أين ما ادعيته من الاستشهاد من أقوال النبى عليه الصلاة والسلام ؟ ..