تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالجهل بهذه الخصيصة ، لأسلوب القرآن فى قصصه العظيم ، يقود إلى الظن بأن بعض أقوال المفسرين تلزم المسلم فى دينه .. وقد بينا عوار هذا الظن ، وخطل ما بنى عليه من جهل .

والمقصود .. أن الظن بأن ما ذكره بعض المفسرين ، من تعيين بولس رسولاً فى قصة يس ، يلزم المسلم فى دينه ، هو ظن خاطئ بنى على الجهل .. فإن قائله جهل أن المسلم لا يعتقد بعصمة علمائه ، فظن أن أى قول لأى عالم يلزم المسلم ، وهذا من الخطأ بمكان عظيم كما بينا .. ثم إنه جهل خصيصة للإعجاز القرآنى فى قصصه ، وهى إبهامه واختصاره لما لا يضر إغفاله ، فتوهم النقص فى ذلك ، واغتر بذكر المفسرين لبعض التفصيلات ، فحسب أن فى ذكر بعض المفسرين لتعيين بولس بين الرسل فى قصة يس .. حسب أن فى ذلك إلزام للمسلم فى دينه .. وقد بينا خطأ هذه المسألة كأختها .. ولله الحمد والمنة .

والحاصل أن من توهم أن تعيين بعض علماء المسلمين لبولس بين رسل المسيح ، يخدمه فى محاولة الرفع من شأن بولس ، هو واهم يتكلم بغير علم ، أوقعه فى وهمه الجهل بمسألتين جليلتين .

فإن هذا القول لبعض علماء المسلمين لا يلزم المسلم فى دينه أبداً ، ليس فقط لأنه قول مرجوح مردود بالأدلة ، وليس فقط لأن فيه خلاف حتى بين الفريق القائل به ، ولكن لأنه أيضاً مبنى على الظن بإلزام كل قول عالم للمسلم ، ومبنى على الظن بأن ما أغفله القرآن يحتاج إليه المسلم ، وكلا الظنين خطأ وباطل ، وما بنى عليهما باطل .

لكن ها هنا مسألة لطيفة .. فقد يقال : حسناً .. ما قدمتموه يبين عدم إلزام هذا القول للمسلم ، لكن ألا يدل هذا القول من هؤلاء العلماء ، على أن بولس عندهم ليس كذاباً ، وإلا ما عدوه ضمن رسل المسيح عليه السلام ؟

فنقول وبالله التوفيق :

أولاً ..

لم ترد رواية واحدة بسند صحيح عن أحد هؤلاء العلماء ، لا من التابعين ولا من غيرهم ، فيها النص على اسم بولس ، وإنما الروايات كلها ضعيفة السند ، لكنها اشتهرت بالمعنى المجمل لها عن هؤلاء العلماء ، وهذا الذى نال الشهرة حتى قبلنا مناقشته ، هو أن هؤلاء الرسل هم رسل المسيح عليه السلام ، هذا هو القدر المشهور فقط ، والذى يحتج به على هؤلاء العلماء ، وأما تعيين أسماء الرسل أنفسهم ـ ومن بينهم بولس ـ فلم ينل هذه الشهرة ، وبالتالى لا حجة فيه عليهم .

وهذا يفسر لك سبب الاضطراب فى تعيين أسماء هؤلاء الحواريين ، لأن هذا التعيين لم ينل من الشهرة القدر الكافى عن هؤلاء العلماء ، وإنما الذى نال الشهرة هو قولهم إن رسل يس هم أصحاب عيسى عليه السلام ، دون النص على أسمائهم .

من أجل ذلك لا يصح الاحتجاج بذكر بولس بين الروايات ، على أنه معتبر عندهم ، لعدم صحة سند ذلك عن هؤلاء العلماء ، ولا يعتبر ضعف السند مانعاً من قبول مناقشة الرأى المرجوح ، لأنه اشتهر بمعناه المجمل .

ثانياً ..

من أين استقى هؤلاء العلماء النص على أسماء هؤلاء الحواريين ؟ .. يخطئ من ظن أنهم استقوه من النبى عليه الصلاة والسلام ، فإنه ليس هناك رواية واحدة فيها ذكر بولس هذا ، اللهم إلا رواية واحدة فقط ، تذكر هذا الرسم " بولس " كاسم واد فى جهنم ! .. على أن هذه الرواية لا يعتد بها !

فمن أين استقى هؤلاء العلماء معلوماتهم ؟ .. لقد كانوا يروون ما رواه لهم أهل الكتاب ، ولا شك أن ليس كل ما كان يروى لهم حقاً وصدقاً ! .. ولا يتضرر المسلم عموماً من ذكر أقوال أهل الكتاب ، لأنه يعلم أنه لا حجة فيها البتة ، إنما هى تذكر وتروى لعموم إباحة النبى عليه الصلاة والسلام .. فقط ليس إلا .

والمقصود هنا ، أن الخطأ كان من الكتابى ، ورواه العالم ـ على فرض ثبوت الرواية تنزلاً ـ مستشفعاً بالأمر المبيح العام من النبى عليه الصلاة والسلام ، عالماً أن ليس فى ذلك حجة عليه ولا على أى مسلم ، ناهيك أن يكون فيه حجة على النص القرآنى .

لهذين الأمرين ، لا يصح اعتبار ورود اسم بولس عن بعض علمائنا ، فى قولهم المرجوح ، تزكية لبولس منهم .. أولاً .. لعدم ثبوت النص على اسم بولس فى الروايات بالسند الصحيح .. وثانياً .. لأنهم لم يأتوا باسمه ـ إن كانوا قد فعلوا ـ إلا رواية عن أهل الكتاب ، التى يعلم المسلم مكانتها من الاحتجاج .

ولكن ها هنا مسألة أدق وألطف .. فقد يقال : قبول هؤلاء العلماء لاسم " بولس " ، على فرض أنهم نصوا عليه ، يعتبر عدم طعن منهم فيه ، ولو رووا ذلك من باب السكوت عنه ، إذ كان يلزمهم بيان كذب بولس بحسب اعتقاد أكثر علماء المسلمين .

فنقول وبالله التوفيق :

أولاً .. ليس من الثابت المتيقن أن بولس الذى تذكره الروايات هو شاول اليهودى ، على الأقل يمكن أن يقال : ليس من الثابت عند هؤلاء العلماء أن هذا هو ذاك .

ثانياً .. لا يضرنا أن نقر ، عند التنزل ، أن هؤلاء العلماء جهلوا حال بولس ، فذلك لا يضر المسلم فى شىء ، ولا يلزمه باعتناق رأيهم ، لأنه قد يظهر لعالم ما لا يظهر لآخر ، وهذا يؤمن به المسلم ، ولا غضاضة فيه أبداً .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٤٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٤٧٣