ولا أناقش هنا سند الرواية ، ولكن تنزلاً على فرض صحة السند ، هل نص الرسول عليه الصلاة والسلام على بولس هذا ؟ .. بالطبع كلا .. إن النبى عليه الصلاة والسلام يتكلم عن الحواريين .. وبولس لم يكن منهم ، إن كان قد بلغك هذا !
وأنتهز الفرصة وأنبه على أن من يتصدى لمثل أمرنا ، لا بد أن يعد عدته ، ولا يهجم على ما لا يعلم .. أما أن يأتينا أحدهم بمسائل ، ولا يعرف كيف ينسب القول لصاحبه ، فعلى الدنيا السلام ! .. ولنا أن نسائله : هل إيمانه مبنى بمثل هذه الطريقة الرائعة ؟ .. هل جرى فى إثبات عقيدته على هذه القواعد العلمية المحكمة ؟!
إن من لا يفقه التفرقة بين أقوال الشخص وقول غيره ، حرى به أن يكفينا شره ، ولا نسمع منه بعد ذلك أنه يصحح عقائد الآخرين أو يتكلم عنها .. عليه أن ينشغل بنفسه أولاً ، عليه أن يراجع معتقده ، إن كان قد بناه بهذه الطريقة الفاضلة !
ثم تورد قول ابن إسحق :
" وكان من بعث عيسى ابن مريم عليه السلام من الحواريين والاتباع الذين كانوا بعدهم في الارض : بطرس الحواري ، ومعه بولس ، وكان بولس من الاتباع ولم يكن من الحواريين الى رومية .. "
ولا أدرى .. هل تعتقد فعلاً أن عيسى عليه السلام بعث " بولسك " المعروف فى حياته ؟ .. بالطبع كلا ، وأنت تخطئ ابن إسحق فى قوله هذا ، وأنا معك أعتقد أيضاً بخطأ القول فى نفسه ، لو عنى به بولسنا الشهير .. ولكن هل يتحمل ابن إسحق خطأ القول كاملاً ؟ أم يشترك معه أحد فى تحمله ؟ أم ينجو ابن إسحق من تحمله ؟ .. هذه مسألة أخرى لا تعنينى هنا .. فعلى كل الأحوال لا يلزمنى هذا القول فى دينى كما بينت سابقاً .
وعلى جرفك الهار هذا ، بنيت سبعة " حقائق " كما تتوهم !
تقول :
" ( 1 ) .. تكلم القران عن رسل المسيح وكانهم رسل الله ! " ..
كذبت ـ عمداً أو جهلاً ـ فى هذا ، فإن القرآن لم يسمى الحواريين رسل الله أبداً ، لا فى سورة يس كما بينا ، ولا فى غيرها .
" ( 2 ) .. ذكر ابن كثير رسولان هما : شمعون ويوحنا أرسلا الى انطاكية "
لم يذكرها ابن كثير على أنه يعتقد ذلك فعلاً ، وإنما يظن ذلك من لا خبرة له بالتفاسير ، والأولى ألا يهجم الإنسان على ما لا يعلم ، وأن يدع الأمر لأهله .. فابن كثير إنما " حكى " ذلك عن رواية مذكورة عن شعيب الجبائى ، ولا يلزم من ذلك إيمانه بثبوت الرواية فعلاً عن الجبائى ، ولا يلزم اعتقاده فعلاً بأنهما كانا شمعون ويوحنا فعلاً ، لأنه لا يعتنق أصلاً الرأى القائل بأن رسل يس هم رسل عيسى عليه السلام ، كما بينا .. ولله الحمد والمنة .
" ( 3 ) .. والرسول الثالث الذي عززهما الله وقواهم بارساله هو بولص ! كما ذكر صراحة ابن كثير "
لا داعى لتعجبك وإظهاره بعلامة ! .. وابن كثير لم يعترف بجريمة قتل حتى تؤكد أنه " ذكر صراحة " ! .. ابن كثير رحمه الله يعرف ما يفعله .. الرجل ينقل رواية اشتهرت من باب الأمانة العلمية ، لكنه لا يعتقد بثبوتها عمن نقلت عنه ، فضلاً عن أن يعترف لمن نقلت عنه بصحة رأيه فى المسألة .. وإنما يصعب على غير المسلم استساغة هذا الاستقلال العلمى من علمائنا ، لجدة ذلك عليه !
" ( 4 ) .. وصف القران حواريي المسيح بانهم : رسل ، ومرسلون !! وهذا يعني ان بولس هو رسول المسيح الى الناس "
نتيجة باطلة بنيت على مقدمة خاطئة ! .. لم يصف القرآن الحواريين بأنهم رسل الله ، لا فى هذه الآيات ولا فى غيرها .. أرجو ألا تتعشم فى ذلك كثيراً ! .. ثم إن بولس ليس من الحواريين !
" ( 5 ) .. وصف رسل المسيح الثلاثة بانهم : لا يسالوا اجراً وهم مهتدون ! ويعني ان الرسول بولس مهتدي ويدعو الى الهداية "
للأسف .. خيب القرآن ظنك .. أعتذر عن هذا بشدة ! .. لم يكن الوصف للحواريين رضى الله عنهم ، ثم إن بولس لم يكن من الحواريين أصلاً .
" ( 6 ) .. ذكر عن محمد في السيرة النبوية لابن هشام : بانه حكى عن ارسالية المسيح للحواريين الى ارجاء الارض وانهم تكلموا بالسنة ولغات اخرى بحسب الشعوب والامم التي ارسلوا اليها ..!!"
هل تحققت من سند الرواية التى تريد الاستشهاد بها ؟ .. أم أن مسألة " التثبت " هذه غريبة عليك لم تتعودها ؟ .. حاول دوماً أن تتعود على التثبت من الأخبار .. خاصة فى المعتقد !
ثم إن الرواية ـ لو صح سندها ـ فليس فيها نصيب لبولس ! ..
" ( 7 ) .. ذكر نفس المصدر بان الرسول بولس قد ارسل مع بطرس الى رومية من قبل المسيح . وكان من التابعين "
بينا من قبل أن هذا لا يحسب على القرآن أو السنة ، وإنما هو من رواية ابن إسحاق ، ثم إننا لا نسلم بتحمل ابن إسحاق للمسئولية كاملة ، لما قدمناه ، ولا يعنينا هنا تحملها أم لا ، الذى يعنينا أن المسلم غير ملزم بكلام ابن إسحاق ، وكلامه لا يحسب على القرآن أو السنة .. وإنما يظن ذلك الجاهل بدين الإسلام فقط .. والأحرى بالإنسان أن يقرأ قليلاً عن الدين الذى يريد أن يتكلم عنه ، وإلا فليسكت وليترك المطلعون يتكلمون حتى لا يفضح نفسه .