تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه الوسطية الإسلامية أمر مطرد وجارٍ في جميع أحكام الشريعة الإسلامية، يقف عليها كل من تتبع أمرها، وعرف حقيقتها، وهذا ما لم يكن في الشرائع السابقة البتة .

وبعبارة أخرى يمكن القول: لقد جاءت شريعة الإسلام بتشريع يواكب الحاضر والمستقبل جميعًا، باعتبارها الرسالة الأخيرة التي أكمل الله بها الدين، وختم بها الرسالات، ونقلها من المحيط المحدَّد إلى المحيط الأوسع، ومن دائرة القوم إلى دائرة العالمية والإنسانية ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ? [سبأ:28] .

أما في مجال العبادات، فلم يحصر القرآن مفهوم العبادة في نطاق ضيق، ولاضمن شكليات محددة وطقوس جامدة، بل وسَّع مفهوم العبادة غاية الوسع، وجعل القصد من الخلق والحياة العبادة ?وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ? [الذاريات:56] وأيضًا لم يقيِّد أداء العبادة في مكان محدد، بل جعل الأرض كلها مكانًا لذلك ?فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ? [البقرة:115] ولا يخفى أن الأمر في الشرائع السابقة لم يكن على ما جاء به القرآن .

أما في مجال المعاملات، فنقف على بعض الأمثلة التي توضح جديد القرآن:

- في محيط الأسرة: نظرت التوراة إلى المرأة باعتبارها مصدر كل شر، أما الإسلام فقد رفع مكانة المرأة، ولم يفرق بينها وبين الرجل إلا في مواضع اقتضتها طبيعة الأشياء والأمور، قال تعالى موضحًا هذه الحقيقة: ?وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ? [البقرة:228] .

- وفي مجال الحرية واحترام كرامة الإنسان: نجد التعاليم المسيحية تعتبر طاعة الطبقة الحاكمة كطاعة المسيح، ونقرأ في تلك التعاليم مثلًا: أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة. أما في الإسلام، فلا يخضع الإنسان إلا لخالقه وحده، ويقرر القرآن الحرية للإنسان من لحظة ميلاده، قال تعالى: ?وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ? [الإسراء:70] .

ـ أما في السلم والحرب: فقد اعتبر القرآن السلام هو الأصل في الإسلام: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كافة..? [البقرة:208] وجعل الحرب ضرورة تقتضيها سَنَن العمران والدفع الحضاري، من الخير للشر، ومن الحق للباطل؛ هذا فضلًا عن آداب القتال التي شرعها الإسلام. وكل هذا لا نقف عليه في الشريعتين اليهودية والنصرانية .

ـ أما في شؤون المال والاقتصاد: فقد كان الربا وما يزال قوام الاقتصاد بين أهل الكتاب...وكان المال وما زال عند أهل الكتاب المعبود والغاية التي يجب الوصول إليها بأية وسيلة كانت...في حين جاء الإسلام بتحريم كل تعامل ربوي، وآذن القرآن الكريم بحرب من الله لكل من يتعامل به...وبين الموقف الصحيح من المال، وأن الأصل فيه أنه لله، وأن الإنسان في هذه الحياة مستخلف عليه ومحاسب عليه، كسبًا وإنفاقًا، قال تعالى: ?وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فيه? [الحديد:7].

والأمثلة على هذا أكثر من أن يحصرها مقال كهذا، وفيما ذكرنا غنية لما أردنا بيانه. والحمد لله الذي ?لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى والأَخرة وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ? [القصص:70] وصلى الله على خاتم المرسلين.

=============

القرآن الكريم في كتابات المستشرقين

أحمد فوزي حميدة ** ...

هاجم المستشرق الفرنسي آتين دينيه الذي أشهر إسلامه عام 1927م وتسمى بناصر الدين في كتابه "الشرق كما يراه الغرب" المستشرقين ومناهجهم التأثيرية، وبيّن أن الافتتان بهم وبآرائهم لا أساس له، كما أعرب عن دهشته من ادعاء المستشرقين المغرضين بأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو مؤلف القرآن؛ حيث يقول دينيه في كتابه "محمد رسول الله": حقا أنه ليدهشني أن يرى بعض المستشرقين أن محمدا قد انتهز فرصة الخلوة فروى ورتب عمله للمستقبل، بل لقد ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك فوسوس أن محمدا ألف في تلك الفترة القرآن كله، أحقا لم يلاحظوا أن هذا الكتاب الإلهي خال من أية خطة سابقة على وجوده مرسومة على نسق المناهج الإنسانية، وأن كل سورة من سوره منفصلة عن غيرها بحادثة وقعت بعد الرسالة طيلة فترة تزيد على عشرين عاما، وأنه كان من المستحيل على محمد أن يتوقع ذلك ويتنبأ له؛ فهذا القرآن كتاب الله يستحيل أن يصدر عن محمد، وأنه لا مناص من الاعتراف بأن الله العلي القدير هو الذي أملى تلك الآيات البينات، حيث تجد أن معجزات الأنبياء الذين سبقوا محمدا كانت في الواقع معجزات وقتية وبالتالي معرضة للنسيان السريع بينما نستطيع أن نسمي الآيات القرآنية معجزة خالدة، ذلك أن تأثيرها دائم ومفعولها مستمر، ومن اليسير على المؤمن في كل زمان ومكان أن يرى هذه المعجزة بمجرد تلاوة آيات القرآن، كما أن في استغناء النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن مدد الخوارق والمعجزات المادية التي اعتمد عليها من سبقوه من الأنبياء لأكبر معجزة على الإطلاق.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٥٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٥٤٢