تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن صور النسخ التي لا تقبل الجدل في شريعة عيسى عليه السلام لأحكام كانت مشروعة في شريعة موسى ما يأتي: كان طلاق الرجل زوجته جائزاً جوازاً مطلقاً لأي سبب من الأسباب، وهذا مذكور في الإصحاح الرابع والعشرين من سفر التثنية فجاءت شريعة عيسى عليه السلام ونسخت هذا الجواز المطلق وحصرته في سبب واحد هو الزنا.

فقد جاء في إنجيل متى الإصحاح الخامس الفقرة الحادية والثلاثين ما يأتي: [وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق وأما أنا فأقول لكم: إن من طلق امرأته لغير علة الزنا يجعلها تزني]. فهذا النسخ صريح على لسان عيسى عليه السلام كما روى متى يفيد أن جواز تطليق المرأة لأي سبب غير الزنا منسوخ في شريعة عيسى، وقد كان جائزاً في شريعة موسى.

وتكرر هذا النسخ مرة أخرى في إنجيل متى الإصحاح التاسع عشر في فقراته الأولى فليرجع إليه من شاء والنسخ في شريعة عيسى ليس مقصوراً عليه هو وحده بل شاركه فيه حواريوه (تلاميذه) وشاركه فيه بولس المسمى في العهد الجديد (الأناجيل) بولس الرسول وهو ليس من حواري المسيح عليه السلام والحواريون وبولس ليسوا رسلا موحى إليهم وحياً مباشراً من عند الله، وهذا موضع إجماع في الإيمان المسيحي كما هو معروف.

ولا نريد الإكثار من إيراد صور النسخ في الشريعة العيسوية، فذلك ليس من أهدافنا هنا، إنما هدفنا الرئيسي أن نثبت بالأدلة اليقينية من واقع النصوص المقدسة من العهدين القديم والجديد أن النسخ شائع في جميع الكتب والشرائع السماوية وليس مقصوراً على القرآن والإسلام، لنبين في وضوح كذب هذه الدعوى التي أكثروا الطنين حولها في هذه الأيام، وبخاصة زكريا بطرس مهرج قناة "الحياة".

فمن النسخ المنسوب إلى الحواريين أنهم نسخوا كل الأحكام العملية التي زخرت بها التوراة أو شريعة موسى عليه السلام إلا أربعة أحكام أبقوا على تحريمها، وهي: الزنا والدم وأكل المخنوق والذبح للأصنام وهذا مذكور في الإصحاح الخامس عشر من أعمل الحواريين.

ثم جاء بولس من بعدهم ونسخ ثلاثة من الأربعة التي أبقى الحواريين حرمتها وجعلها حلالا، وهي الدم وأكل المخنوق والذبح للأصنام، أما الزنا فأبقاه على حرمته كما هو في شريعة موسى عليه السلام كما نسخ بولس مشروعية الختان التي كانت معمولا بها في شريعة موسى، ثم استمر العمل بها في صدر شريعة عيسى، والدليل على ذلك أن عيسى نفسه عليه السلام اختتن ولما آل أمر المسيحية إلى بولس وقف العمل به (نسخه) وله في ذلك كلام منسوب إليه، وهو طويل نكتفي منه بالآتي: [وها أنا بولس أقول لكم إنكم إن إختتنتم لن ينفعكم المسيح بشيء] الإصحاح الخامس من رسالة بولس إلى أهل غلاطية، والواقع الذي لا ينكر أن بولس لما آل إليه شأن المسيحية نسخ كل الأحكام العملية التي كانت في شريعته وعلى يديه انفصلت المسيحية عن اليهودية.

وكان لبولس أسباب اعتمد عليها في نسخ كل ما في الشريعة الموسوية من الأحكام العملية، وهي كثيرة نذكر منها:

1- أن تجدد الإمامة (الرسالة) يقتضي تجدد الناموس (القوانين والأحكام).

2- أن الشيء القديم البالي (شريعة موسى) قابل للفناء.

3- أن من يعمل بالناموس (شريعة موسى) يحرم من نعم المسيح.

وبهذا وغيره استباح إقصاء شريعة موسى كلها عن العمل يعني نسخها كلها، ولذلك تعتبر شريعة عيسى عليه السلام أكثر الشرائع نسخاً بلا أي منازع. هذا بالنسبة لما حدث من نسخ شريعة موسى على النحو المتقدم.

على أن في الشريعة العيسوية صوراً من النسخ والأحكام وردت فيها هي نفسها، وهي كثيرة لا نريد أن نطيل أكثر مما تقدم بذكرها أو بعض منها. أما النسخ في القرآن فله بيان خاص نرجو أن نوفيه حقه لاحقاً، والذي نذكره الآن عنه هو الآتي:

أولاً: أنه قليل إلى حد الندرة وفي أوسع الأحوال لا يتجاوز وقوع النسخ في القرآن عند المحققين آيات دون أصابع اليدين.

ثانياً: أنه مع ندرته من فعل الله نفسه، وليس لأحد سلطان، ولو كان النبي نفسه صلى الله عليه وسلم، أن ينسخ حكماً قطعي الدلالة والثبوت في كتاب الله العزيز.

هذا بينما مر بنا أن النسخ في شريعة عيسى مارسه الحواريون (تلاميذه) ومارسه بولس، وهم جميعاً ليسوا رسلاً موحى إليهم من عند الله وحياً مباشراً، وهنا نقول لمهرج قناة (الحياة) هل أنت تجهل هذه الحقائق التي اقتبسناها مباشرة من أسفار الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد؟ أم أنت تعلمها؟! فإن كنت تجهلها فلا يحق لك أن تتحدث عن أمور لا رأس لك فيها ولا قدم.

وإن كنت تعلمها فلا يحق لك أن تجعل النسخ في القرآن دليلاً على أنه ليس وحياً من عندالله، لأنك تؤمن بالكتاب المقدس، بأنه وحي من عند الله، وقولك بأن النسخ يقضي بأن الكلام الذي وقع فيه ينفي عنه صفة الوحي المنزل، يصيبك أنت في إيمانك، ولا يصيب سواك ممن عنيتهم، فكف عن مهاتراتك لئلا يصيبك سهمك.

=================

شبهات حول الناسخ والمنسوخ والرد عليها

النوع الخامس: الناسخ والمنسوخ

تعريف الناسخ

ب- شروط النسخ

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٤٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٤٨٧