تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الصيغة العملية التي شرعها الإسلام للتعاون والتضامن وبذل التضحيات في باب المعاملات هي عقود التبرعات ، حيث لا يقصد المتعاون ربحاً من تعاونه ، ولا يتطلع إلى عوض مالي مقابلاً لما بذل ، ومن ثم جازت هذه العقود مع الجهالة والغرر ، ولم يدخلها القمار والمراهنة والربا، ذلك أن محل التبرع إذا فات على من أحسن إليه به بسبب هذه الأمور لم يلحقه بفواته ضرر ، لأنه لم يبذل في مقابل هذا الإحسان عوضاً ، بخلاف عقود المعاوضات ، فإن محل المعاوضة إذا فات على من بذل فيه العوض لحقه الضرر بضياع المال المبذول في مقابلته(16) .

وبين يدينا حديث جليل فيه من فقه الباب ما لا ينقضي منه العجب يتجسد فيه صورة التعاون والمواساة والتكافل الذي ترمي إليه الشريعة .

جاء في الصحيحين خبر الأشعريين الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد،ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية،فهم مني وأنا منهم "(17).

ومن لطائف هذا الحديث الشريف وفوائده مما نحن بصدده:

التضامن عند الحاجة في الغزو أو في الإقامة.

ما يأتي به الواحد يختلف مقداراً عما يأتي به الآخر.

يخلطون ما يجمعون خلطاً يزيل التمييز .

كل فرد يأخذ من المجموع ( مالاً أو طعاماً ) ما يكفيه.

ما يفضل من طعامهم لا يتفاضل فيه واحد عن غيره، ذلك أن المال قد خلط خلطاً يزيل صورة الملكية الأصلية ومقدارها(18).

صورة التعاون في التأمين

يقوم الراغبون في التأمين من أجل تحقيق هدف معين وهو اتقاء المخاطر المتوقعة عليهم بقبولهم تحمل ما قد يقع من هذه المخاطر موزعاً بينهم لإذابة عبء الخطر عليهم ، وتفتيت آثاره ، إذ يدفع كل واحد مبلغاً من المال يتفق مع نسبة الخطر الذي يخشى وقوعه إلى صندوق هيئة التأمين أو شركة التأمين ، فيتكون منه رصيد تغطى منه الأضرار التي تقع على الأفراد المشتركين فيه، ومن ذلك يتبين أن التأمين يستند إلى الأسس التالية:

1-قيام تعاون بين هؤلاء الأفراد المهددين بالخطر تحت إشراف شركة التأمين

2-المقاصة بين المخاطر إذ تتولى شركة التأمين تنظيم توزيع الأخطار بين المشتركين بطرق حسابية إحصائية منضبطة(19) .

3- التأمين لا يمنع الأخطار ، ولا يسعى في تأمين وسائل دفعها ، ولكنه يدفع تعويضاً مالياً عند حدوثها ، كما يعني بتصميم وسائل الدفع وطرق حسابها(20).

المسألة الثانية : الغرر :

من المسائل المؤثرة في الحكم بين التأمينَين التجاري والتعاوني مسألة الغرر ، وهذا بيان موجز لها .

الغرر هو : الخطر والمخاطرة التي لا يدرى أتكون أم لا تكون كبيع السمك في الماء ، والطير في الهواء ن وبيع المجهول ، وما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول ، وبيع ما لا يملك ، فالغرر هو المجهول العاقبة(21) والذي لا يدري أيحصل أو لا يحصل (22).وهو يكون في المبيع وفي ثمنه.

والغرر يغتفر فيما بابه البر والإحسان ، ويؤثر فيما بابه المعاوضات.

والغرر في المعاوضات المالية ثلاثة أقسام:

1-غرر كثير : وهذا يؤثر في عقود المعاوضات فيفسدها إجماعاً كبيع الطير في الهواء.

2-غرر يسير : وهذا لا تأثير له إجماعاً كالقطن المحشوة به الجبة ، وأساس الدار.

3-غرر متردد بين الكثير واليسير :وهذا محل خلاف واجتهاد ، فمن ألحقه بالكثير أعطاه حكمه ، ومن ألحقه باليسير أعطاه حكمه.والغرر في التأمين ليس باليسير جزماً ، بل هو متردد بين الكثير والمتوسط ، وهو إلى الكثير أقرب(23).

وبه يتبين أن عقد التأمين من عقود المعاوضات التي يؤثر فيها الغرر

وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول : والغرر ثلاثة أنواع:

إما المعدوم كحبل الحبلة .

وإما المعجوز عن تسليمه كالعبد الآبق.

وإما المجهول المطلق ، أو المعين المجهول جنسه أو قدره(24).

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٩٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٩٨٥