تأملات فقهية..حول موضوع التأمين
د. مسفر بن علي القحطاني أستاذ الفقه وأصوله / جامعة الملك فهد 23/11/1423
26/01/2003
أثيرت ضجة حول موضوع التأمين في الآونة الأخيرة بين مبيح ومحرم لهذا العقد واضطربت الآراء في حكمه الشرعي بعد ما ألزمت الدولة بتطبيق التأمين التعاوني الإلزامي على رخص القيادة والذي بدأ تطبيقه في 15/9/1423هـ وتعالت الأصوات بين من يشنع على المبيحين وأنهم أضاعوا الدين واتبعوا لشهوات ومن يرمي المانعين بالغلو والتشدّد وتناقلت بعض الصحف ومواقع الإنترنت أخبار هذه الردود والخلافات . وكم كنا نود أن يكون لهيئاتنا العلمية صوت يعلو على كل تلك الأصوات يدعو للنظر المتجرد المبني على نصوص الشرع ومقاصده الكلية .
فأحببت أن أبعث بهذا المقال إلى كل عالم أو طالب علم ليجلى لنا الموقف الصحيح أمام هذه النازلة ويزيل كل التباس وقع في نفوس كثير من الناس ، ويبين حقيقة النظر الشرعي الذي ينبغي أن يسير عليه المفتى أو المجتهد في مثل تلك المسائل .
ولعلي أن أساهم بالدعوة إلى بحث هذه المسألة والنظر فيها مرة أخرى وعدم التردد وترك الناس في الحيرة والاضطراب الذي صنعته تلك الأصوات المحرمة والردود عليها والاختلافات الضيقة التي أنتجت حرجاً لكثير من المسلمين .
ومن مبررات مطالبتي بإعادة النظر في بحث المسألة و علاج هذه النازلة ما يلي :
1- إن السماحة واليسر من أعظم أوصاف الشريعة .
كل من نظر في الشريعة الإسلامية أصولها وفروعها ظهر له وبشكل قطعي أن مبتنى أحكامها على السماحة واليسر وقد دلت على ذلك الكثير من النصوص والدلالات الشرعية من الكتاب والسنة والآثار المختلفة . ومن ذلك قولة تعالى : " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " [البقرة 185 ] والوجه الذي تحمل عليه هذه الآية هو عموم اللفظ في جميع أمور الدين الدينية والأخروية وهو ما ذهب أليه جماعة من المفسرين (1) وأكد المولى عز وجل المعنى الوارد في الآية السابقة ، بقوله : " فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا " [الانشراح 5-6 ] وقد قال صلى الله عليه وسلم في تفسيرها : " لن يغلب عسر يسرين "(2). إن الإسلام دين الفطرة ومعلوم أن الفطرة في الجملة راجعة إلى الجبلة ، وهي مضادة للشدّة والعنت وتنفّر منها فكان على الشريعة حتى تلائم هذا الوصف في النفوس أن تكون سهلة سمحة ، وهذا هو الضمان القويّ لنفوذها في الخلق . يقول الإمام الشاطبي رحمة الله : " إن الله وضع هذه الشريعة المباركة حنيفية سمحة سهلة حفظ فيها على الخلق قلوبهم وحببها لهم بذلك ، فلو عملوا على خلاف السماح والسهولة لدخل عليهم فيما كلّفوا ما لا تخلص به أعمالهم "(3) .
وموضوع التأمين من العقود التي استجدت في عصرنا الحاضر ولا يختلف اثنان أن الغاية منه هو تفتيت الأخطار عن المشتركين فيه وأن يتحملوا مسؤولية تخفيف الأضرار عمن نزلت به الكارثة منهم وأصابه هلاك في ماله او تجارته . وهذه الغاية محمودة شرعاً وحاجة الناس إليها ماسة وعظيمة ، فإن كان تحقيقها من خلال عقد معاوضة يحصل فيها المؤمّن على قسط ثابت من المال في مقابل تحمله كلا الأضرار التي تقع على المومّن كان هذا العقد ممنوعاً (4) .
أما اذا كان العقد يقصد به التبرع والتعاون بين المؤمنين فهذا جائز بناء على رأي كثير من الهيئات الشرعية والمجامع الفقهية (5) فما دام أن الحاجة إليه ماسة ونفعه كبير لكثير من الناس فما المانع أن يُبحث له عن صيغة مقبولة شرعاً وتعمم على الجهات ذات النفع المشترك من هذه العقود .
إن التباطؤ في أيجاد الصيغ الشرعية المقبولة لهذه العقود قد يُفهم منه إما عجز في الشريعة _ وحاشاها ذلك _ أو عجز في العلماء انهم لم يستطيعوا إيجاد مثل هذه الصيغ_ ولا أظنه كذلك _ و الذي ينبغي في هذا المقام أن يبادر العلماء في علاج هذه النازلة وذلك أن شريعة السماحة واليسر لا يمكن أن تترك الناس في حرج وضيق لعقد من العقود التي يحتاجونها حاجة ماسة وفيها مقومات السعة والتخفيف على الناس .