الفرق بين الغرر والجهالة:
الغرر هو الذي لا يدري أيحصل أو لا يحصل .
أما الجهالة فتكون فيما علم حصوله وجهل صفته.
فالغرر والجهالة بينهما عموم وخصوص مطلق فيوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه .فوجود الغرر بدون الجهالة كشراء العبد الآبق المعلوم قبل الإباق ، فلا جهالة فيه لكن فيه غرر .
والجهالة بدون غرر كشراء مادة يراها ولا يدري حقيقتها أزجاج أو ياقوت ، فالحصول متحقق ولكن معرفة الحقيقة مجهولة ، واجتماع الغرر مع الجهالة كالعبد الآبق مجهول الصفة.
والغرر والجهالة يقعان في تسعة أشياء: في الوجود والحصول ، ولجنس والنوع ، والمقدار ، والتعيين والبقاء ، والأجل ، والصفة(25).
قاعدة من كلام شيخ الإسلام:
"إذا كانت مفسدة بيع الغرر هي كونه مظنة العداوة والبغضاء ، وأكل أموال الناس بالباطل فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة قدمت عليها ، كما أن السباق بالخيل والسهام والإبل لما كان فيه مصلحة شرعية جاز بالعوض،وإن لم يجز غيره بعوض .
ومعلوم أن الضرر على الناس بتحريم هذه المعاملات أشد عليهم مما قد يتخوف فيها من تباغض أو أكل مال بالباطل لأن الغرر فهيا يسير والحاجة إليها ماسة والحاجة الشديدة فيدفع بها يسير الغرر ، والشريعة مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضها حاجة راجحة أبيح المحرم ..."الخ كلامه ...مع حذف يسير(26) .
وبالنظر بين التأمينين التعاوني والتجاري ، يظهر أنه ليس هناك حاجة إلى الأخذ بهذه القاعدة في الغرر المعلوم في التأمين التجاري ، لأن السلامة منه متحققة في التأمين التعاوني ، فالتأمين التعاوني معاملة أساسها التعاون والتبرع ، فهي خالية من معنى المعاوضة، وإذا عدم معنى المعاوضة ،فقد انتفى عنها مفسدة الجهالة والغرر والغبن وشبهة الربا(27).
المسالة الثالثة:
أ-القصد التجاري في عقد التأمين:
تحرير هذه المسألة هو من الحدود الفاصلة بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني :
فالأصل في نشأة عقد التأمين التجاري أن قصد التجارة فيه ظاهر وبخاصة من قبل شركات التأمين ، والقصد في حق المؤمَّن له هو التعويض عن الخطر ، أو تقليل آثاره ، أو تقليل أضراره.
ولمزيد من الإيضاح يقال : إن التأمين بالنسبة للمؤمِّنين عملية تجارية محضة يهدف أصحابها إلى الربح ، أما في حق المؤمَّن لهم فقد يكون تصرفهم تجارياً كالتأمين على المستودعات التجارية والبضائع المنقولة ونحو ذلك ، وقد يكون مدنياً كالتأمين على الحياة أو حوادث الحريق والسرقة .
والأصل ألا يربح المؤمَّن له من التأمين ولكنه يحفظ بالتأمين ماله على نفسه (28).
ولمزيد من التكييف الفقهي لمسألة القصد ، يحسن بيان أثر النية في الأحكام واختلاف الحكم في الشيء ذي الصورة الواحدة باختلاف النية فيه مع اتحاد الصورة، فإخراج المال يختلف فيه الحكم حسب نية المخرج ما بين هبة ،أو صدقة تطوع ، أو زكاة ، والصورة واحدة ، والذبح يكون بقصد القربة لله ، ويكون للضيافة ، كما أنه قد يكون شركاً وكفراً إذا كان ذبحاً لغير الله والصورة واحدة ، ودخول المسجد يكون للعبادة وللراحة ، والغسل يكون لواجب ، أو سنة ، أو بقصد التبرد ... وهكذا (29).
ومنه يتبين أن الصورة بين التأمين التجاري والتعاوني قد تتحد ويفرق بينهما في قصد الربح والتجارة من عدمه.
ب-القصد التجاري في التأمين التعاوني:
الذي يذهب إليه كثير من الباحثين المعاصرين من رجالات القانون والاقتصاد القول بأن التأمين التعاوني ليس تأميناً تجارياً بل هو إجراء تعاوني لا يهدف إلى الربح بل يهدف إلى تبديد الأخطار وتوزيعها بين أكبر عدد ممكن .
وذهب بعضهم إلى اعتباره تجارياً لأنه يؤدي إلى تجنب الخسارة (30).
والذي يقال هنا أن تحقيق ربح في التأمين التعاوني لا يؤثر في حكمه ما دام انه لم يكن مقصوداً في الأصل ، بل جاء تبعاً ، أو جاء أثراً للحفاظ على الأموال المجموعة ، ذلك أن الغرض الأصلي هو التعاون على درء آثار المخطر ، وتأمين مبالغ كافية لتغطية ما يحتمل وقوعه من أخطار ، ولم يكن الربح مقصوداً بالقصد الأول . وحصول الربح تبعاً من غير أن يكون مقصوداً بالقصد الأول لا يؤثر في الحكم.