عَزَّ وَجَلَّ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ، فَظَاهِرُ اللَّفْظِ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَرَى الْخَيْرَ وَالشَّرَّ ، لَيْسَ يَرَى الْخَيْرَ وَالشَّرَّ وَإِنَّمَا ثَوَابَهُمَا وَالْجَزَاءَ عَلَيْهِمَا مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ . كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ، وَلَيْسَ يَعْنِي أَنَّهَا تِلْكَ الْأَعْمَالُ الَّتِي عَمِلَتْهَا بِهَيْئَتِهَا وَكَمَا عَمِلَتْهَا مِنَ الشَّرِّ ، وَإِنَّمَا تَجِدُ الْجَزَاءَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ، فَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ : يَجِيءُ الْقُرْآنُ ، تَجِيءُ الصَّلَاةُ ، وَتَجِيءُ الزَّكَاةُ ، يَجِيءُ الصَّبْرُ ، يَجِيءُ الشُّكْرُ ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ ثَوَابُ ذَلِكَ كُلِّهِ يُجْزَى مَنْ عَمِلَ السَّيِّءَ بِالسُّوءِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ، أَفَتَرَى يَرَى السَّرِقَةَ وَالزِّنَا وَشُرْبَ الْخَمْرِ وَسَائِرَ أَعْمَالِ الْمَعَاصِي إِنَّمَا يَرَى الْعِقَابَ وَالْعَذَابَ عَلَيْهِمَا ، وَبَيَانُ هَذَا وَأَمْثَالُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ وَأَمَّا مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فَقَولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ظِلُّ الْمُؤْمِنُ صَدَقَتُهُ " ، فَلَا شَيْءَ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ " ، فَإِرْشَادُكَ الضَّالَّةَ صَدَقَةٌ ، وَتَحِيَّتُكَ لِأَخِيكَ بِالسَّلَامِ صَدَقَةٌ ، وَأَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ صَدَقَةٌ ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ ، وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ ، وَمُبَاضَعَتُكَ لِأَهْلِكَ صَدَقَةٌ ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْإِنْسَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّ مُبَاضَعَتِهِ لِأَهْلِهِ ؟ إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ كُلِّهِ ثَوَابَ صَدَقَتِهِ ، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُظِلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ، فَلْيَنْظُرْ مُعْسِرًا أَوْ لِيَدْعُ لَهُ " ، فَأَعْلَمَكَ أَنَّ الظِّلَّ مِنْ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ وَمِمَّا غَالَطَ بِهِ الْجَهْمِيُّ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنْ قَالَ : كُلُّ شَيْءٍ دُونَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ ، وَالْقُرْآنُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَيُقَالُ لَهُ فِي جَوَابِ كَلَامِهِ هَذَا : إِنَّا لَسْنَا نَشُكُّ أَنَّ كُلَّ مَا دُونَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ وَلَكِنَّا لَا نَقُولُ إِنَّ الْقُرْآنَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَلَكِنَّا نَقُولُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ ، وَمِنْ عِلْمِ اللَّهِ ، وَمِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ، وَمِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَقَالَ : سَلَّامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ، وَلَمْ يَقُلْ : مِنْ دُونِ رَبٍّ . وَقَالَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدَنَا ، وَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ إِلَّا مِنْ آمِرٍ ، كَمَا لَا يَكُونُ الْقَوْلُ إِلَّا مِنْ قَائِلٍ ، وَلَا يَكُونُ الْكَلَامُ إِلَّا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ ،
المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ٩٨٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في أحاديث الفتنص ٩٨٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي