وَمِثَال مَا يَقَعُ فِي النَّسْل : مَا كَانَ مِنْ أَنْكِحَةِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ مَعْهُودَةً وَمَعْمُولاً بِهَا وَمُتَّخَذَةً كَالدِّينِ ، وَهِيَ لاَ عَهْدَ بِهَا فِي شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلاَ غَيْرِهِ ، بَل كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ مَا اخْتَرَعُوهُ . مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي حَدِيثِ أَنْكِحَةِ الْجَاهِلِيَّةِ . (1)
وَمِثَال مَا يَقَعُ فِي الْعَقْل : مَا يُتَنَاوَل مِنَ الْمُسْكِرَاتِ وَالْمُخَدِّرَاتِ بِدَعْوَى تَحْصِيل النَّفْعِ وَالتَّقَوِّي عَلَى الْقِيَامِ بِبَعْضِ الْوَاجِبَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فِي ذَاتِهَا .
وَمِثَال مَا يَقَعُ فِي الْمَال : قَوْلُهُمْ ﴿ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْل الرِّبَا ﴾ (سورة البقرة / 276) فَإِنَّهُمُ احْتَجُّوا بِقِيَاسٍ فَاسِدٍ . (2) وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يُحْدِثُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ مِنَ الْبُيُوعِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْمُخَاطَرَةِ وَالْغَرَرِ .
هَذَا التَّقْسِيمُ مِنْ حَيْثُ اعْتِبَارُ الْبِدْعَةِ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً مَشْرُوطٌ بِشُرُوطٍ :
الأَْوَّل : أَلاَّ يُدَاوَمَ عَلَيْهَا ، فَإِنَّ الصَّغِيرَةَ مِنَ الْمَعَاصِي لِمَنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا تَكْبُرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ نَاشِئٌ عَنِ الإِْصْرَارِ عَلَيْهَا ، وَالإِْصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً ، وَلِذَلِكَ قَالُوا : لاَ صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ ، وَلاَ كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ ، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ .
الثَّانِي : أَلاَّ يَدْعُوَ إِلَيْهَا . فَإِذَا ابْتُلِيَ إِنْسَانٌ بِبِدْعَةٍ فَدَعَا إِلَيْهَا تَحَمَّل وِزْرَهَا وَأَوْزَارَ الآْخَرِينَ مَعَهُ ، مِصْدَاقًا لِقَوْل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِل بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . (3)
الثَّالِثُ : أَلاَّ تُفْعَل فِي الأَْمَاكِنِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا النَّاسُ ، أَوِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ ، وَتَظْهَرُ فِيهَا أَعْلاَمُ الشَّرِيعَةِ ، وَأَلاَّ يَكُونَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَوْ يَحْسُنُ بِهِ
(1) - أخرجه البخاري ( الفتح 9 / 182ـ 183 ط السلفية ) .
(2) - الاعتصام للشاطبي 2 / 31 - 59 .
(3) - سبق تخريجه