وَمِنْهَا مَا هُوَ كَبِيرَةٌ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ ، أَوْ يُخْتَلَفُ فِيهِ هَل هُوَ كُفْرٌ أَمْ لاَ ؟ كَبِدَعِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ . وَمِنْهَا مَا هُوَ مَعْصِيَةٌ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ اتِّفَاقًا ، كَبِدْعَةِ التَّبَتُّل وَالصِّيَامِ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ ، وَالْخِصَاءِ بِقَطْعِ شَهْوَةِ الْجِمَاعِ ، لِلأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ سَبَقَ بَعْضٌ مِنْهَا وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ (سورة النساء / 29) (1) .
تَقْسِيمُ الْبِدَعِ غَيْرِ الْمُكَفِّرَةِ إِلَى كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ :
إِنَّ الْمَعَاصِيَ مِنْهَا صَغَائِرُ وَمِنْهَا كَبَائِرُ ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِكَوْنِهَا وَاقِعَةً فِي الضَّرُورِيَّاتِ أَوِ الْحَاجِيَّاتِ أَوِ التَّحْسِينَاتِ ، فَإِنْ كَانَتْ فِي الضَّرُورِيَّاتِ فَهِيَ أَعْظَمُ الْكَبَائِرِ ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي التَّحْسِينَاتِ فَهِيَ أَدْنَى رُتْبَةً بِلاَ إِشْكَالٍ ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْحَاجِيَّاتِ فَمُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ ﴾ (سورة النجم / 32) وَقَوْلِهِ : ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا ﴾ (سورة النساء / 31) ، وَإِذَا كَانَتْ لَيْسَتْ رُتْبَةً وَاحِدَةً فَالْبِدَعُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِي ، وَقَدْ ثَبَتَ التَّفَاوُتُ فِي الْمَعَاصِي ، فَكَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ مِثْلُهُ فِي الْبِدَعِ ، فَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِي الضَّرُورِيَّاتِ ، وَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِي رُتْبَةِ الْحَاجِيَّاتِ ، وَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِي رُتْبَةِ التَّحْسِينَاتِ . وَمَا يَقَعُ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيَّاتِ ، مِنْهُ مَا يَقَعُ فِي الدِّينِ ، أَوِ النَّفْسِ ، أَوِ النَّسْل ، أَوِ الْعَقْل ، أَوِ الْمَال (2) .
فَمِثَال وُقُوعِهِ فِي الدِّينِ : اخْتِرَاعُ الْكُفَّارِ وَتَغْيِيرُهُمْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ : ﴿ مَا جَعَل اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ﴾ (سورة المائدة / 103) وَحَاصِل مَا فِي الآْيَةِ تَحْرِيمُ مَا أَحَل اللَّهُ عَلَى نِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِهِ إِلَيْهِ ، مَعَ كَوْنِهِ حَلاَلاً بِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ .
وَمِثَال مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ : مَا عَلَيْهِ بَعْضُ نِحَل الْهِنْدِ ، مِنْ تَعْذِيبِهَا أَنْفُسَهَا بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَاسْتِعْجَال الْمَوْتِ ، لِنَيْل الدَّرَجَاتِ الْعُلَى عَلَى زَعْمِهِمْ .
(1) - وانظر أحكام أهل الذمة 2 / 673 .
(2) - الاعتصام للشاطبي 2 / 31 ، وقواعد الأحكام 1 / 19 ، وابن عابدين 3 / 309 ، 310 .